د.محمد صديق خوشناو
حين نتأمل حقيقة التربية،ندرك أنها أعمق بكثير من كونها مجرد عملية تلقين لمعلومات عابرة بين جدران الصفوف؛ إنها “حاسوب اجتماعي” متكامل، ومرآة ناطقة تعكس بصدق ملامح البيئة التي صاغتها. من هذا المنطلق الإنساني والفكري، تتبلور قراءتنا لواقع التعليم والتحديات التي تواجهه.
تتجسد التربية كمرآة جلية تنعكس فيها أبعاد المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمجتمع؛ فهي فضاء رحب دائم التجدد، يسعى لربط الفرد بواقعه الحضاري وتزويده بالرؤى الإنسانية. في العراق، لا يقتصر همّ التعليم على أسوار المدارس أو مكاتب المسؤولين، بل هو قضية مصيرية تنبض في قلب كل من يترقب التغيير والنهوض. إن أزماتنا التربوية المتجذرة ليست وليدة اليوم، بل هي إرث لنظم عسكرية سابقة صُممت خارج أفق تطلعات الشعب، مما خلف تراكمات معقدة تتطلب اليوم إصلاحاً جذرياً يستلهم روحه من عمق ثقافتنا المحلية. وينعكس هذا الاختلال بوضوح في سياسة التوجيه الفكري، وتراجع البنى التحتية، وتفاقم الفجوات الاجتماعية والطبقية.
إن بيئتنا المحفوفة بعدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي تدفع بالنظام التعليمي حتماً نحو فخ “البقاء” لا آفاق “النمو”. فالخوف والقلق الدائمين يستهلكان طاقة العقل البشري في مسارات الدفاع عن النفس، محرمين إياه من متعة الإبداع والتأمل وحرية التساؤل التي يحتاجها الجيل الجديد ليبتكر ويبني.
من هنا تبرز الحاجة الماسة لربط التخطيط التربوي بالاستراتيجيات الاقتصادية والاجتماعية؛ فالقطاع التعليمي المعزول عن سوق العمل يفرخ أزمات كبرى كبطالة الخريجين. لذا، بات لزاماً أن تخضع خطط افتتاح الأقسام الجامعية الجديدة لدراسات دقيقة تستشرف احتياجات العقد القادم، وتضمن تمويلاً مستداماً وكفاءات أكاديمية رصينة.
ولا قيامة لأي نظام تعليمي من دون إعادة الاعتبار لكرامة المعلم ماديًا ومعنويًا؛ فهو حجر الزاوية في بناء العقول. فالمعلم الموهوب والمحاط بالتقدير هو وحده القادر على كسر الجمود وإشعال شعلة الشغف في القاعات الدراسية. يضاف إلى ذلك تحديات الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي التي تحتم علينا القطع مع عصور “الحفظ والتلقين” لصالح مهارات التحليل وحل المشكلات والرقمنة الشاملة، إلى جانب إيلاء التعليم التقني والمهني الأولوية القصوى لتلبية متطلبات السوق وتقليص الاعتماد على العمالة الأجنبية.
ختاماً، إن إصلاح التعليم ليس مهمة تُلقى على عاتق وزارات التربية والتعليم العالي وحدها، بل هو مسؤولية وطنية تضامنية تشمل الأسرة والإعلام والمجتمع المدني في سياق استراتيجية دولة متكاملة. فتاريخ الأمم يعلمنا أن الثروة الحقيقية لا تكمن في باطن الأرض من نفط ومعادن، بل في الإنسان الواعي، الأخلاقي، والمقتدر؛ فهو العدة الأبقى لبناء وطن يليق بالكرامة والطموح.