ابصقوا في وجوه المدّاحين

عرفان الداوودي

في العراق، لم تعد ظاهرة المدّاحين مقتصرة على الشعراء وأصحاب الأقلام، بل أصبح لها حضور بين بعض المثقفين وشيوخ العشائر وأصحاب المواقع الاجتماعية، حتى بات المسؤول أو السياسي يجد حوله من يصفّق له في كل مناسبة، ويمدح كل قرار، ويحوّل الخطأ إلى إنجاز، والعجز إلى حكمة، والصمت إلى موقف وطني.

وهنا تبرز العبارة القاسية التي استُحضرت في الأدب السياسي: «ابصقوا في وجوه المدّاحين»؛ لا باعتبارها دعوة إلى الإساءة للأشخاص، وإنما باعتبارها صرخة احتجاج على ثقافة التملّق التي تقتل الحقيقة وتحوّل المجتمع إلى جمهور من المصفقين.

ومحمود درويش، في قصيدته الشهيرة «مديح الظل العالي»، قدّم نموذجاً أدبياً عميقاً للعلاقة المعقدة بين الشاعر والقائد والسياسة، حيث لا يكون دور المثقف أن يتحول إلى بوق للسلطة، بل أن يحتفظ بمسافة نقدية تسمح له بأن يرى ما لا يراه المصفقون.

المثقف ليس موظفاً عند السياسي

المثقف الحقيقي لا يحتاج إلى راتب من السياسي كي يقول الحقيقة، ولا إلى منصب كي يكتب، ولا إلى دعوة إلى مجلس حتى يمدح صاحب القرار.

المثقف الذي يفقد قدرته على قول «لا» يفقد جزءاً أساسياً من رسالته.

أما أن يتحول القلم إلى وسيلة لتلميع الأشخاص، وأن تصبح المقالات والمنشورات مجرد بيانات مديح، فهنا لا يعود السؤال: ماذا قدم المسؤول للناس؟ بل يصبح السؤال: ماذا سيقول المدّاحون عنه؟

وهذه مشكلة خطيرة، لأن السياسي الذي يسمع المديح طوال الوقت قد لا يسمع أنين الناس، ولا يعرف حجم الفشل في مؤسسات الدولة، ولا يرى الطوابير أمام محطات الوقود، ولا يسمع شكاوى المواطنين من الكهرباء والماء والبطالة والخدمات.

الأخطر من مدّاح السلطة… مدّاح القبيلة

أما عندما يدخل التملّق إلى العشيرة، فالمسألة تصبح أكثر حساسية.

العشيرة ليست منصة انتخابية لشخص، والمثقف العشائري ليس مطلوباً منه أن يصفق لكل مسؤول ينتمي إلى قبيلته أو تربطه به علاقة شخصية.

القبيلة الحقيقية تحمي كرامة أبنائها، لكنها في الوقت نفسه لا تحوّل الخطأ إلى صواب، ولا الظلم إلى عدالة، ولا الفشل إلى إنجاز.

شيخ العشيرة أو وجيهها الذي يقول للمسؤول: أنت مخطئ عندما يخطئ، قد يخدمه ويخدم الناس أكثر من عشرات الذين يقولون له: «أنت على حق دائماً».

لا نريد دولة من المرايا

أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع أن يعيش المسؤول داخل غرفة من المرايا؛ كل من حوله يعكس له صورته الجميلة، ولا أحد يريه وجه الحقيقة.

المدّاح لا يسأل عن الكهرباء التي انقطعت.

ولا يسأل عن البنزين الذي اختفى.

ولا يسأل عن المال العام.

ولا يسأل لماذا تأخرت المشاريع.

ولا يسأل لماذا بقي المواطن ينتظر سنوات للحصول على أبسط حقوقه.

هو يسأل فقط: كيف أمدح؟

وهكذا تتحول السياسة من خدمة عامة إلى حفلة مديح، ويتحول المواطن من صاحب حق إلى متفرج، ويتحول المثقف من صوت للناس إلى صوت للسلطة. حين يصبح «أنت القائد» أخطر من النقد

في العراق، ابتُلينا في السياسة والمجتمع بظاهرة اسمها المدّاحون؛ أولئك الذين لا يرون في المسؤول أو السياسي أو الشيخ إلا صفات التعظيم:
«أنت القائد… أنت الهيبة… أنت الزعيم… أنت الشيخ… حياك شيخ!»

تُقال هذه العبارات في المجالس والاحتفالات ووسائل التواصل، وكأن صاحب المنصب أو النفوذ أصبح فوق النقد والمساءلة.

المشكلة ليست في الاحترام، ولا في إكرام الشيخ أو المسؤول أو صاحب المكانة الاجتماعية، فهذه قيم أصيلة في المجتمع العراقي. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاحترام إلى تملّق، والمديح إلى وسيلة للتقرّب، وتصبح الحقيقة آخر ما يفكر فيه المتحدث.

فالذي يقول للمسؤول: «أنت القائد» ثم يرى الخطأ ويسكت عنه، لا يخدم قائده.

والذي يقول: «أنت الزعيم» بينما الناس تعاني من سوء الخدمات، لا يخدم الزعيم ولا الناس.

والذي يكرر: «أنت الهيبة» في كل مجلس، قد يساهم من حيث لا يدري في عزل صاحب القرار عن الواقع؛ لأنه يجعله يسمع أصوات المصفقين فقط، ولا يسمع أصوات المواطنين.

القائد الحقيقي لا يحتاج إلى مدّاحين

القائد الذي يمتلك مشروعاً وإنجازاً لا يحتاج إلى عشرات الأشخاص ليقولوا له كل صباح: «أنت القائد».

الأفعال هي التي تصنع الهيبة، والإنجاز هو الذي يصنع الزعامة، وخدمة الناس هي التي تمنح الشيخ أو السياسي احترامه الحقيقي.

أما الألقاب وحدها فلا تبني دولة، ولا توفر كهرباء، ولا تعالج البطالة، ولا تحل أزمة الوقود، ولا تحمي المال العام.

لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله المدّاحون ليس أنهم يمدحون شخصاً، بل أنهم يمنعون عنه الحقيقة.

والمثقف الذي يتحول إلى مدّاح، والوجيه الذي يصفق لكل مسؤول، والعشائري الذي يحوّل المجلس إلى مهرجان ألقاب، عليهم أن يتذكروا أن كرامة المجتمع ليست في عدد مرات قول «حياك شيخ»، وإنما في القدرة على قول الحقيقة باحترام.

قولوا للمسؤول: أحسنت عندما يحسن، وأخطأت عندما يخطئ.

قولوا للشيخ: نحترمك، لكننا لا نقدّس الأشخاص.

وقولوا للزعيم: مكانتك تُثبتها أفعالك، لا أصوات المدّاحين.

فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الذين يقولون:
«أنت القائد… أنت الهيبة… أنت الزعيم…»

بل يحتاج إلى من يقول:

«هذا إنجازك، وهذه أخطاؤك، وهذه حقوق الناس، وهذه مسؤوليتك أمامهم».

تلك هي ثقافة الدولة، أما ثقافة المديح الأعمى فلا تصنع قادة… بل تصنع حولهم جداراً يحجب عنهم الحقيقة

العراق لا يحتاج إلى مزيد من التصفيق

العراق اليوم بحاجة إلى مثقف يقول الحقيقة، وصحفي يسأل، وشاعر ينتقد، وشيخ عشيرة يحمي كرامة الناس، ومسؤول يقبل النقد.

نحن لا نريد من المثقف أن يكون عدواً للسياسي، ولا نريد من السياسي أن يكون عدواً للمثقف.

نريد علاقة صحية تقوم على الاحترام والنقد والمساءلة.

فالسياسي الذي لا يسمع إلا المديح قد يخسر فرصة تصحيح أخطائه، والمثقف الذي لا يقول إلا المديح يخسر ثقة الناس، والعشيرة التي تصفق لكل صاحب منصب تفقد جزءاً من هيبتها الأخلاقية.

لا تقدّسوا الأشخاص… قدّروا الأفعال.

ولا تسألوا: من هو المسؤول؟

بل اسألوا: ماذا فعل؟ وماذا أنجز؟ وماذا بقي من وعوده؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تُطرح في العراق.

أما المدّاحون، فليكن لهم مكانهم، لكن ليس على حساب الحقيقة.

فالأوطان لا تُبنى بالتصفيق، ولا تُدار بالمديح، وإنما تُبنى بالصدق والعمل والمساءلة.

قد يعجبك ايضا