من «شرطي الخليج» إلى «شرطي للخليج وباب المندب»

انس الشيخ مظهر

المشهد الميداني الحالي في اليمن يوحي باننا امام مشهد ميداني جديد قد يشكل لمعادلات جديدة في المنطقة . فسيطرة الحوثيين المتسارعة على المخا وذوباب، ثم وصولهم إلى جزيرة ميون (بريم) التي تتوسط مضيق باب المندب وتقسمه إلى ممرين ملاحيين، لم تقابَل برد فعل أمريكي حاسم، بل بالعكس، كشفت تقارير أن الرئيس ترامب رفض طلباً سعودياً مباشراً من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لشن ضربات عسكرية على الحوثيين. وما يفسّر هذا التريّث ليس عجزاً أمريكياً، بل حسابات مصلحية بحتة , فواشنطن ترى أن الحوثيين لا يستهدفون سفنها، بينما باب المندب أقل حيوية بالنسبة لأولوياتها الاقتصادية من مضيق هرمز، إذ يخدم بالدرجة الأولى تدفق النفط نحو الصين وآسيا لا نحو الأسواق الأمريكية. في المقابل، أكد قيادي حوثي بارز أن الجماعة لا نية لديها لاستهداف السفن الأمريكية، فيما وجّهت تهديداتها الصريحة وهجماتها الفعلية نحو السفن والمنشآت السعودية تحديداً. هذا التمايز في الاستهداف ليس عشوائياً، بل هو ترجمة ميدانية مبكرة لمنطقٍ أعمق تعيد إيران صياغته بهدوء منذ سنوات , في تحويل أوراق النفوذ الإقليمي من أدوات مواجهة مفتوحة إلى أدوات ضغط انتقائية تخدم تفاهماً أوسع مع واشنطن. ولفهم كيف وصلت طهران إلى هذا المنطق، لا بد من العودة إلى نقطة الانطلاق التي تأسست عليها علاقتها المضطربة مع واشنطن منذ عام 1979.

عندما أسقطت الثورة الإيرانية نظام الشاه عام 1979، لم يكن الهدف الإطاحة بملك أو تغيير نظام سياسي فحسب، بل كان رفضاً صريحاً لدورٍ فُصّل بدقة في واشنطن: دور «شرطي الخليج». بنت الجمهورية الإسلامية شرعيتها الثورية على القطيعة مع الغرب، ومواجهة النفوذ الأمريكي، ورفض النظام الإقليمي الذي كانت واشنطن تديره عبر حلفائها التقليديين. والمفارقة التاريخية التي تختمر اليوم هي أن إيران، بعد أكثر من أربعة عقود من المواجهة، قد تجد نفسها أمام إعادة اكتشاف الدور ذاته، لا عبر مناهضة واشنطن، بل عبر التفاوض معها عليه — بشروط الشراكة لا شروط التبعية.

الفكرة التي تتشكل في عمق القرار السياسي بطهران، مع صعود التيارات الأكثر براغماتية، لا تقوم على إخراج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بل على منافسة حلفائها التقليديين على المساحة الأكثر قيمة وهي كسب ثقة البيت الأبيض. لقد أدركت طهران أن النفوذ والتمدد الإقليمي لا يمنحان قيمتهما الكاملة إذا ظلّا محشورين في زاوية الاستنزاف والحرب المفتوحة , فالقيمة الحقيقية للنفوذ لا تكمن في القدرة على إشعال الساحات، بل في القدرة على إطفائها على طاولة المفاوضات.

لا تحتاج واشنطن إلى إسقاط النظام الإيراني أو خوض حرب استنزاف كبرى معه، بقدر ما تحتاج إلى إعادة صياغة سلوكه وتدجينه . وفي المقابل، لا تحتاج إيران إلى الانتصار العسكري على أمريكا لتثبيت مكانتها، بل إلى اعتراف رسمي بأنها رقم أمن إقليمي لا يمكن تجاوزه. هذه المعادلة بالذات هي ما يفتح الباب أمام صفقة كبرى لا تقتضي من طهران التخلي عن أوراقها، بل إعادة تعريف وظائفها.

هذا التحول لا يعني أن إيران ستصبح حليفاً أمريكياً بالمعنى التقليدي، بل يعني أنها قد تدرك أن النفوذ الموجّه دائماً ضد واشنطن هو نفوذ منبوذ وضعيف ، وأقصى ما يمكن لها ان تفعله هو استخدامه في التفاوض بدلا من استخدامه في حرب مفتوحة. ومن زاوية أخرى، قد لا تكون طهران تسعى لطرد أمريكا من المنطقة بقدر ما تسعى لمنافسة إسرائيل ذاتها على العلاقة مع واشنطن , في أن تقدّم نفسها كقوة إقليمية يمكن الاعتماد عليها، وأكثر فائدة لها من حليفة تحوّلت “في نظر قطاعات سياسية أمريكية متزايدة” إلى عبء في إدارة العلاقة مع العالم العربي والإسلامي. وهو ما ذكرناه قبل سنوات في مقالات عدة.

المكاسب المتوقعة لطهران “ تخفيف العقوبات، اعتراف ضمني بالبرنامج النووي او تطويعه ، إعادة الاندماج في الاقتصاد الدولي|” لن تأتي مجاناً، بل مقابل إعادة هندسة وظيفة الأوراق الإقليمية لا التخلي عنها…..

لبنان.
يمثّل حزب الله الساحة الأكثر مرونة للتنازل التكتيكي في الوقت الذي يمثل الساحة الاكثر تهديدا لاسرائيل . فاستمراره كقوة قادرة على حرب مفتوحة مع إسرائيل يبقى عقبة أمام أي تفاهم أمريكي–إيراني واسع . لذلك فقد تقبل طهران بتقليص نفوذه وقوته العسكرية يحيث لا يبقى تهديدا لاسرائيل ، دون أن يعني ذلك تخليها عن الحزب أو عن حضورها في لبنان , وانما يعني إعادة ترتيب الأولويات بين أدوات المواجهة المكلفة وأدوات النفوذ الآمنة.

اليمن .
المرونة التي ابداها الحوثيون مع واشنطن والتفاهمات التي جرت بينهما في حرب الاثني عشر يوما في ايقاف الهجمات المتبادلة بينهما تشير الى ان الحوثيين من اكثر الاطراف امكانية في التحول الستراتيجي والانتقال من «مصدر تهديد للملاحة» إلى «ضامن إقليمي لأمن الممر المائي». وبذلك يمكن لايران الاحتفاظ بعلاقتها مع الحوثيين ونفوذها في اليمن،مع اعادة تعريف وظيفة هذا النفوذ , من أداة تصعيد إلى ورقة تأثير في أحد أهم ممرات الطاقة والتجارة العالمية، وفي نفس الوقت الى اداة للضغط على دول الخليج متى ما شائت طهران او واشنطن كما يحصل الان.

العراق.
الاختبار الأكثر حساسية، إذ لن تقبل واشنطن استمرار هجمات الفصائل على قواتها في ظل أي اتفاق استراتيجي. الصيغة المرجّحة ليست تفكيك هذه الفصائل، فقد تقبل واشنطن بكبح جماح هذه الفصائل مقابل إدماجها في مؤسسات الدولة العراقية وتنظيم استخدام سلاحها. بذلك تتغير وظيفة هذه الجماعات من أدوات مواجهة إلى أدوات نفوذ سياسي وأمني داخلي، تحتفظ طهران من خلالها بتأثيرها دون استفزاز مباشر لواشنطن.

مضيق هرمز.
الجائزة الكبرى في المعادلة كلها. تنتقل إيران من التهديد بإغلاق المضيق عند كل أزمة إلى تقديم نفسها ضامناً لتدفق الطاقة بالتنسيق مع القوى الدولية، فتتحوّل جغرافيتها الحاكمة للمضيق من مصدر خطر دائم إلى ورقة قيمة جيوسياسية لا غنى عنها وهنا بالذات تصبح واشنطن هي من يتفاوض مع طهران على كيفية إبقاء المضيق مفتوحاً، لا العكس. وقد يتفقان على المشاركة في واردات المضيق بشكل او باخر.

الخيط الجامع بين هذه الملفات الأربعة هو أن واشنطن لا تستطيع او “لا تحتاج” إلى القضاء على النفوذ الإيراني، بل إلى ضمان ألا يكون موجهاً ضد مصالحها، بينما لا تحتاج طهران إلى الانتصارعسكرياً، بل إلى اعتراف بأنها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. وهو ما يجعل أي اتفاق محتمل أخطر من مجرد اتفاق نووي.

العلاقة القادمة بين واشنطن وطهران لن تُدار كحلف أيديولوجي أو صداقة تاريخية، بل بمنطق «المقاولة الأمنية». في ظل انشغال واشنطن بالاستراتيجية الكبرى لمواجهة الصين وروسيا، تبرز إيران المعتدلة كفاعل إقليمي قادر على ضبط الممرات البحرية ومكافحة التنظيمات الراديكالية، مقابل «رسوم أمنية» تقبضها طهران على شكل رفع عقوبات وعودة إلى الاقتصاد الدولي — علاقة تعاقدية مصلحية، لا تحالف قيمي.

الخطر الذي تتوجس منه تل أبيب من أي تفاهم أمريكي–إيراني لا يكمن في التهديد العسكري المباشر، بل في «التهديد الوظيفي» , فاذا أصبحت إيران شريكاً موثوقاً في إدارة الأمن الإقليمي، تفقد إسرائيل ميزتها التاريخية بوصفها الذراع الاستراتيجي الوحيد لواشنطن، فتتحول في نظر بعض القطاعات السياسية الأمريكية من أصل استراتيجي إلى عبء معطّل للتوافقات الكبرى.

كان الشاه «شرطي الخليج» لأنه أدى الوظيفة التي طُلبت منه ونفّذ الرؤية الأمريكية دون مساءلة. أما إيران البراغماتية، إن نجحت في إبرام هذا التفاهم التاريخي، فلن تسعى لتكرار ذلك الدور، بل لشيء مختلف جوهرياً , في أن تكون الندّ الذي يجلس على طرف الطاولة ليتقاسم مع واشنطن إدارة المنطقة ومفاتيح أمنها، محوّلة القوة من أداة صراع دائم إلى ورقة شراكة جيوسياسية. والسؤال الحاسم في أي اتفاق مقبل ليس ما إذا كانت واشنطن وطهران ستتصالحان، بل ما الذي ستطلبه كل منهما من الأخرى مقابل ذلك، وهل ستحوّل الصفقة النفوذ الإيراني من مصدر صراع دائم إلى جزء من نظام إقليمي جديد، أم ستعيد توزيع أدوات الصراع ذاتها بثوب أقل استفزازاً فحسب.

قد يعجبك ايضا