تزرين يعقوب سولا
التعليم الحقيقي لا يقوم على نقل المعلومات إلى عقول الأطفال بقدر ما يقوم على تدريب هذه العقول على التفكير.
وهنا يكمن الفرق بين التعليم الذي يملأ الذاكرة، والتعليم الذي يبني الإنسان.
لقد تغيّرت الحياة بصورة هائلة. لم يعد الوصول إلى المعلومة هو المشكلة، فالمعلومة أصبحت متاحة بضغطة زر. لكن المشكلة الحقيقية أصبحت:
كيف نعرف أن هذه المعلومة صحيحة؟
وكيف نحللها؟
وكيف نربط بينها وبين غيرها؟
وكيف نستخدمها في حل مشكلة حقيقية؟
ولهذا فإن المدرسة التي تكتفي بأن تقول للطفل: «احفظ هذه الإجابة»، لا تمنحه بالضرورة القدرة على مواجهة سؤال لم يرد في الكتاب.
كان التعليم التقليدي ينظر إلى الطالب في كثير من الأحيان باعتباره متلقيًا للمعرفة، بينما تتجه التربية الحديثة إلى النظر إليه بوصفه شريكًا في عملية تعلمه.
في هذا المجال ينتقد المفكر باولو فريري ما سماه «التعليم البنكي»، حين يصبح المعلم هو الذي يملك المعرفة، والطالب مجرد وعاء تُودَع فيه المعلومات ليحفظها ثم يستعيدها في الامتحان. ورأى أن التعليم الحقيقي ينبغي أن يقوم على الحوار وطرح المشكلات وتنمية الوعي النقدي.
كما أن الامتحان ليس نهاية التعليم
من أخطر ما يمكن أن يحدث في العملية التعليمية أن يتحول الامتحان من وسيلة لقياس التعلم إلى الهدف النهائي للتعلم.
عندما يصبح النجاح مرهونًا بحفظ الإجابة النموذجية، يبدأ الطالب في البحث عن أقصر طريق إلى الذاكرة، لا إلى الفهم.
فيحفظ تعريفًا دون أن يعرف معناه، وقاعدة دون أن يعرف متى يستخدمها، وتاريخًا دون أن يفهم أسبابه ونتائجه، ثم يكتب ما حفظه في ورقة الامتحان ويحصل على درجة جيدة.
لكن ماذا يحدث عندما يواجه موقفًا جديدًا؟
هنا تظهر قيمة التعليم الحقيقي.
فالطالب الذي تعلم أن يسأل ويحلل ويقارن ويستنتج يستطيع أن يتعامل مع السؤال الجديد، حتى لو لم يره من قبل. أما الذي تعلّم أن يحفظ الإجابة فقط، فقد يجد نفسه عاجزًا أمام سؤال يحتاج إلى تفكير.
وقد أشارت دراسات تناولت التعليم في العراق إلى أن الحفظ والاستظهار ظلا جزءًا مؤثرًا في الممارسات التعليمية، مع الدعوة إلى تطوير طرائق التدريس بما ينمي التفكير النقدي لدى الطلبة.
وفي إقليم كردستان أيضًا، تناولت دراسة ميدانية في مدارس بأربيل أهمية التفكير النقدي بوصفه يتجاوز الحفظ، ويساعد الطالب على الاستقلال في التفكير والحكم المنطقي وحل المشكلات.
مناهجنا يجب أن تعكس الحياة
ليس المطلوب أن نتخلى عن المعرفة أو الحفظ تمامًا.
فالذاكرة مهمة، والمعرفة أساس التفكير.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح المعرفة غاية التعليم بدل أن تكون مادة يستخدمها العقل في التفكير.
ولهذا فإن مستقبل التعليم العراقي لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المدارس والكتب والدرجات ، بل بنوعية العقول التي تخرج منها.
وإذا كان التعليم هو بناء الإنسان، فإن أعظم ما يمكن أن نبنيه في الإنسان ليس ذاكرة تحفظ كل شيء، بل عقلًا لا يخاف من السؤال، ولا يستسلم لأول إجابة، ولا يتوقف عن التفكير.