انس الشيخ مظهر
الهجوم الذي انطلق من الأراضي العراقية باتجاه منشآت نفطية سعودية لم يعد حادثاً أمنياً عابراً، بل اختباراً كاشفاً لمن يملك فعلياً قرار الحرب والسلم في العراق حين تُستخدم أرض دولة لتوجيه ضربة عسكرية إلى دولة أخرى، ثم تجد الدولة المعنية نفسها مضطرة لقبول شريك خارجي كي تحقق فيما جرى على أراضيها ، فالمشكلة حينذاك تتجاوز الحادثة لتصل إلى بنية السلطة ذاتها. وهو ما كشفه استهداف منشآت النفط السعودية بمسيّرات انطلقت من العمق العراقي، تلاه طلب إيراني بالمشاركة في التحقيق وموافقة عراقية.
الحادثة لم تعد سؤالاً عن هوية منفّذ الهجوم، بل عن طبيعة الدولة التي تسمح -أو تُجبر- على تقاسم قرارها الأمني مع طرف خارجي، وعن حدود النفوذ الإيراني الذي يبدو حاضراً في كل تفصيل، لكنه غير قادر أحياناً على ضبط أدواته الخاصة.
المشكلة في بغداد ليست غياب القانون، فالدستور والسلطة الرسمية قائمان بلا نزاع على الورق. المشكلة أن السيادة القانونية شيء، والقدرة على ضبط ما يجري فعلياً على الأرض شيء آخر تماماً. فحين تتمكن جهة مسلحة من إطلاق مسيّرات نحو دولة مجاورة دون علم الحكومة أو موافقتها، فان ذلك يعني أن قراراً بحجم الحرب والسلم بات متاحاً لأطراف لا تخضع لسلسلة القيادة الرسمية.
الأخطر من ذلك أن اكتشاف منصة الإطلاق، أو العثور على بقايا العتاد بعد وقوع الهجوم، غالباً ما يُقدَّم كدليل على «كفاءة أمنية»، بينما هو في الحقيقة اعتراف متأخر بالعجز, فالدولة لم تمنع الهجوم، بل اكتشفته بعد أن وقع. السيادة الحقيقية تُقاس بالقدرة على منع استخدام الأرض لا برصد آثاره لاحقاً، والفارق بين الاثنين هو بالضبط الفارق بين دولة تمسك بزمام الأمن ودولة تُدار من خلفها.
وحين توافق بغداد على تحقيق مشترك مع طهران في واقعة وقعت داخل حدودها، فإنها لا تقدّم تنازلاً إجرائياً فقط، بل تعترف ضمنياً بأن هناك ملفات أمنية لا يمكن التعامل معها بمعزل عن الرضا الإيراني، وهذا ما يحوّل التعاون الأمني “وهو أمر طبيعي بين الدول” إلى ما يشبه تدويلاً غير معلن لملف سيادي، يفرغ الأجهزة الوطنية من حصريتها في إدارة أمن حدودها وأراضيها.
على الجهة المقابلة، يضع الطلب الإيراني بالمشاركة في التحقيق طهران أمام سؤال قد يكون أشد إحراجاً لها من الهجوم نفسه، فإذا كانت الفصائل المشتبه بها موالية لإيران أصلاً، فلماذا تحتاج طهران إلى تحقيق عراقي لتعرف من الفاعل؟ الإصرار على المشاركة يحتمل تفسيرين لا ثالث لهما، وكلاهما مقلق بالنسبة لطهران.
التفسير الأول…أن إيران لا تثق بقدرة التحقيق العراقي وحده على الوصول إلى نتيجة، أو تخشى أن يُفضي إلى اتهامات تُحرجها أمام حلفائها الإقليميين، فتفرض حضورها لتوجيه المسار ومراقبة المخرجات.
التفسير الثاني “وهو الأخطر”… فهو أن طهران فعلاً لا تعرف بدقة من نفّذ العملية، وهو ما يعني أن نفوذها السياسي والمالي على هذه الفصائل لا يترجم بالضرورة إلى سيطرة تشغيلية كاملة على قراراتها في لحظات التصعيد.
هذا الاحتمال الثاني يفتح ملفاً أوسع، وهو تشتت مراكز القرار داخل المنظومة الإيرانية نفسها. فقد تكون جهة عسكرية أو استخباراتية على علم بعملية ما، دون أن تكون المؤسسة الدبلوماسية على اطلاع كامل عليها، أو حتى راضية عنها. وعندها نكون امام السؤال التالي: – أي جناح داخل إيران كان يعرف، ومن أعطى الضوء الأخضر فعلاً؟.
وهذا ما يجعل من الاعتماد على وكلاء محليين لإنكار المسؤولية المباشرة استراتيجية محفوفة بالمخاطر، فهي تعمل بكفاءة في الأوقات الهادئة، لكنها تنهار في اللحظة التي يتحول فيها الوكيل إلى مصدر تهديد استراتيجي يجبر الراعي على التدخل العلني لاحتواء التداعيات.
التحقيق المشترك ليس بالضرورة انه فرض من قبل ايران ووافق عليه العراق مكرها، بل قد يكون أيضاً مخرجاً مريحاً للطرفين معاً، وإن لأسباب متباينة.
*/ فبالنسبة لبغداد، فان مشاركة إيران تعني تقاسم المسؤولية السياسية عن نتيجة قد تكون محرجة، سواء أدانت التحقيق فصائل مسلحة نافذة داخلياً، أو تركت الملف بلا حسم واضح… وفي نفس الوقت فان مشاركة طهران في التحقيق يمنح الحكومة العراقية غطاءً يُجنّبها الظهور بمظهر من يحاسب حلفاء إيران بمفرده، وهو موقف قد يكلفها اصطفافات داخلية لا تحتمل الحكومة كلفتها السياسية.
*/ اما بالنسبة لطهران، فإن الحضور المباشر في التحقيق يتيح لها ضبط السردية قبل أن تتحول إلى اتهام رسمي موجّه لها بشكل مباشر من دولة عربية وازنة. بعبارة أخرى، التحقيق المشترك ليس أداة لكشف الحقيقة بقدر ما هو أداة لإدارة الحقيقة، بحيث لا تتحول نتائجه إلى سلاح سياسي يُستخدم ضد أي من الطرفين. وهذا ما يفسر لماذا يمكن أن تنتهي مثل هذه التحقيقات، تاريخياً، إلى نتائج فضفاضة تحمّل المسؤولية لـ«جهات غير محددة» أو «فصائل منفلتة مجهولة»، دون أن تفضي إلى مساءلة فعلية.
البُعد الأهم الغائب عن أغلب القراءات هو الأثر بعيد المدى لهذه الواقعة على علاقة العراق بالسعودية ودول الخليج، في مرحلة كانت فيها بغداد تراهن على تقديم نفسها كجسر إقليمي وممر اقتصادي بين إيران والخليج. وحين تتحول الأراضي العراقية إلى منصة ضرب فعلية ضد منشأة نفطية سعودية، فإن ذلك يقوّض بشكل مباشر الرواية التي حاولت الحكومة العراقية ترويجها خلال السنوات الأخيرة في أن العراق قادر على أن يكون حيادياً وآمناً للاستثمارات والمبادرات الإقليمية معاً.
كل دولار استثماري خليجي يتجه إلى العراق يُقيَّم اليوم في ضوء مخاطر السيادة، لا فقط في ضوء مخاطر السوق. وإذا تكررت مثل هذه الحوادث، فإن الرياض وشركاءها الخليجيين سيجدون أنفسهم مضطرين للتعامل مع بغداد لا كحكومة واحدة، بل كفسيفساء من مراكز قوى يصعب التنبؤ بتحركاتها، وهو ما يرفع كلفة أي انفتاح اقتصادي أو سياسي مستقبلي، ويمنح الأطراف المتشددة في الطرفين “العراقي والخليجي”ذريعة لعرقلة مسارات التقارب التي بُنيت بصعوبة خلال السنوات الأخيرة.
لا نستطيع هنا اختزال السؤال في من ضغط زر الإطلاق، بل في ان السلطة في العراق اليوم موزّعة بين ثلاثة مراكز لا مركز واحد: –
*/ حكومة رسمية تملك الشرعية القانونية لكنها مقيدة ميدانياً.
*/ فصائل مسلحة تملك القدرة التشغيلية والتسليحية لكنها بلا شرعية دستورية.
*/ ومركز قرار إقليمي في طهران يملك نفوذاً واسعاً لكنه، كما تكشف هذه الواقعة، غير متأكد دوماً من قدرته على ضبط أدواته الخاصة.
وطالما بقيت هذه المعادلة الثلاثية قائمة، فإن أي حديث عن «سيادة عراقية كاملة» سيبقى وصفاً نظريا أكثر منه واقعاً ميدانياً. الحل لا يكمن في مزيد من التحقيقات المشتركة أو البيانات الدبلوماسية المتبادلة، بل في إعادة بناء الدولة الفعلي لأدوات القوة , ما عدا ذلك سيظل السؤال الذي يطرحه كل حادث جديد هو نفسه “من نفذ، ومن اتخذ القرار، وأين موقف الدولة من كل ذلك؟”