قرار إنساني وأخلاقي.. حين تتحول رعاية الأيتام إلى صناعة مستقبل

عرفان الداوودي

ليست كل القرارات تُقاس بأرقام الموازنات أو بعدد المشاريع المنجزة، فهناك قرارات تُقاس بمدى ما تتركه من أثر في حياة الإنسان، وقرار حكومة إقليم كوردستان، برئاسة السيد مسرور بارزاني، بالتكفّل بتعليم الأطفال الأيتام وفاقدي الرعاية حتى المرحلة الجامعية، ومنحهم فرصة العمل بعد التخرج، هو قبل كل شيء قرار إنساني وأخلاقي واجتماعي يستحق التوقف عنده والإشادة به.

فحين يجد طفلٌ فقد والديه أو حُرم من الرعاية الأسرية أن هناك دولة ومؤسسات تقف إلى جانبه، وتقول له: مستقبلك ليس مجهولاً، وتعليمك لن يتوقف بسبب ظروفك، ولن تكون عاطلاً بعد تخرجك، فإننا أمام مفهوم حقيقي للرعاية الاجتماعية، يتجاوز تقديم المساعدة الآنية إلى بناء الإنسان وصناعة المستقبل.

78 طفلاً.. ولكن القضية أكبر من الرقم

بحسب الإعلان، ستتكفل حكومة الإقليم بتعليم 78 طالباً من المقيمين في دور الأيتام وفاقدي الرعاية، في أربيل والسليمانية ودهوك، بدءاً من رياض الأطفال وصولاً إلى الجامعة.

والأهم أن الرعاية لا تتوقف عند مقاعد الدراسة، بل تمتد إلى ما بعد التخرج، من خلال توفير فرص التعيين لمن يكمل دراسته الجامعية، وتوفير فرص عمل لمن لا يرغب في إكمال الدراسة، بما يمنع ترك هذه الفئة أمام البطالة والضياع.

هذه النقطة تحديداً تحمل رسالة سياسية واجتماعية مهمة: الرعاية الحقيقية ليست أن نطعم الطفل اليوم فقط، وإنما أن نؤهله ليعتمد على نفسه غداً.

القانون والدولة.. حماية الإنسان قبل كل شيء

من الناحية القانونية، فإن حماية الطفل وضمان حقه في التعليم والرعاية ليست منّة من أحد، وإنما هي من صميم مسؤولية الدولة والمجتمع.

فالدولة التي تحترم القانون لا تترك الطفل فاقد الرعاية ضحيةً لظروف أسرية أو اجتماعية لم يخترها بنفسه.

ومن الجوانب اللافتة في القرار أيضاً معالجة أوضاع الأطفال الذين يفتقرون إلى الوثائق الرسمية، حيث تم إصدار البطاقة الوطنية لـ14 طفلاً، مع السماح لغير المسجلين بالالتحاق بالمدارس إلى حين استكمال الإجراءات الثبوتية.

وهنا تظهر قيمة القرار بصورة أكبر؛ لأن الوثيقة الرسمية لا ينبغي أن تتحول إلى حاجز يحرم الطفل من حقه في التعليم، بل يجب أن تعمل مؤسسات الدولة على معالجة وضعه القانوني بالتوازي مع ضمان حقوقه الأساسية.

وهذا هو جوهر دولة القانون: أن تكون الإجراءات وسيلة لحماية الإنسان، لا سبباً لضياع حقوقه.

الإسلام جعل رعاية اليتيم مسؤولية دينية وأخلاقية

أما من المنظور الديني، فإن رعاية اليتيم ليست قضية اجتماعية فحسب، بل هي عبادة ومسؤولية عظيمة.

قال الله تعالى:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾

وقال سبحانه:

﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾

وقال تعالى محذراً من ظلم اليتيم:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾

ولم يكتفِ الإسلام بالنهي عن ظلم اليتيم، بل جعل الإحسان إليه من أبواب الخير العظيمة.

وقال رسول الله ﷺ:

«أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»

وأشار بالسبابة والوسطى، كما ورد في الحديث الصحيح.

إن هذه النصوص تؤكد أن المجتمع الذي يرعى أيتامه ويحفظ كرامتهم ويمنحهم التعليم والعمل هو مجتمع يترجم القيم الدينية إلى واقع عملي.

القرار السياسي الذي يحمل رسالة إنسانية

سياسياً، فإن مثل هذه القرارات تؤكد أن قوة الحكومة لا تُقاس فقط بما تملكه من مؤسسات وأجهزة، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الفئات الأكثر حاجة إلى الحماية.

فالطفل الذي يعيش في دار للرعاية لا يملك حزباً يدافع عنه، ولا عشيرة قوية تسند ظهره، ولا نفوذاً سياسياً يطالب بحقه.

ولهذا فإن مسؤولية الدولة تجاهه أكبر، لأن الدولة هي الجهة التي يجب أن تكون سنداً لمن لا سند له.

ومن هنا فإن قرار رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني يمكن قراءته باعتباره رسالة مفادها أن التنمية ليست طرقاً وجسوراً ومشاريع فقط، وإنما استثمار في الإنسان، وخاصة الإنسان الذي بدأ حياته محروماً من السند الأسري.

التعليم هو أفضل استثمار

إن أجمل ما في هذا القرار هو ربط الرعاية بالتعليم.

فالمال الذي يُصرف على تعليم طفل يتيم ليس نفقةً تذهب وتنتهي، بل هو استثمار طويل الأمد.

قد يصبح هذا الطفل طبيباً، أو مهندساً، أو معلماً، أو محامياً، أو موظفاً، أو صاحب مشروع، وقد يصبح في المستقبل هو نفسه الشخص الذي يساعد أطفالاً آخرين.

وهكذا تتحول الرعاية من دائرة المساعدة إلى دائرة التمكين.

وهذا هو المطلوب من برامج الرعاية الاجتماعية الحديثة: ألا تجعل الإنسان أسيراً للمساعدة، وإنما تمنحه العلم والمهارة والفرصة حتى يصبح قادراً على بناء حياته بنفسه.

رسالة إلى كل المسؤولين

إن هذا القرار ينبغي ألا يبقى مجرد خبر يُنشر في وسائل الإعلام، بل يجب أن يتحول إلى نموذج يمكن تعميمه وتطويره.

فالأطفال فاقدو الرعاية يحتاجون إلى أكثر من الدراسة؛ إنهم بحاجة إلى الرعاية النفسية، والتأهيل الاجتماعي، والمتابعة الصحية، والاحتضان التربوي، وحمايتهم من الاستغلال والانحراف، ومتابعة مسيرتهم حتى يصبحوا أشخاصاً مستقلين ومنتجين في المجتمع.

كما أن نجاح القرار يحتاج إلى شفافية ومتابعة سنوية، حتى يعرف المجتمع أين وصل كل طالب، وما هي احتياجاته، وكيف يتم ضمان استمرارية الدعم حتى التخرج والعمل.

كلمة أخيرة

هناك قرارات تُنسى بعد أيام، وهناك قرارات تبقى في ذاكرة الإنسان سنوات طويلة.

وقد يكون أعظم إنجاز للمسؤول ليس أن يفتتح مشروعاً يحمل اسمه، وإنما أن يفتح أمام طفلٍ يتيم باباً كان يظنه مغلقاً.

أن تقول لطفلٍ حُرم من الأسرة:

سندرسك.. نحميك.. نرعاك.. نوصلك إلى الجامعة.. وبعد تخرجك سنساعدك في الحصول على عمل.

هذه ليست مجرد كلمات؛ إنها كرامة تُصان، ومستقبل يُبنى، وأمل يُزرع.

ومن هنا، فإن قرار التكفّل بتعليم هؤلاء الأطفال وتوفير فرص العمل لهم يمثل قراراً إنسانياً وأخلاقياً ودينياً، وفي الوقت نفسه رؤية سياسية واجتماعية مسؤولة.

فالدولة التي تحمي أضعف مواطنيها، هي الدولة التي تفهم المعنى الحقيقي للعدالة.

والحكومة التي تستثمر في طفلٍ يتيم اليوم، قد تصنع من هذا الطفل غداً معلماً أو طبيباً أو مهندساً أو قائداً يخدم مجتمعه.

تحية لكل قرار يضع الإنسان أولاً، ولكل يد تمتد إلى اليتيم لا لتمنحه صدقةً فحسب، بل لتمنحه علماً وكرامةً ومستقبلاً.

قد يعجبك ايضا