كيف نضمن حقوق الاشخاص ذوي الإعاقة

د . عبد الكريم جبر

في زحام الحياة اليومية، وفي خضم السباق نحو التقدم والازدهار، يغفل الكثيرون عن فئة إنسانية تعيش بيننا، تشاركنا أحلامنا وآمالنا، لكنها تواجه عقبات لا يراها الأغلبية، إنهم ذوو الإعاقة، الذين كثيراً ما يُنظر إليهم بعين الشفقة أو التجاهل، وكأن إعاقتهم الجسدية أو الحسية أو الذهنية تنقص من قيمتهم الإنسانية، بينما الحقيقة أن الكرامة الإنسانية لا تعرف إعاقة، ولا ترتبط بقدرات الجسد، بل بجوهر الروح، وبحق كل إنسان في العيش باحترام ومساواة، والإعاقة ليست عيباً أو نقصاً، بل هي تنوع بشري، يحتاج منا إلى تكييف بيئتنا لتناسب احتياجات الجميع، لا إلى تغيير الناس ليتناسبوا مع بيئة صماء لا ترى سوى من يشبهها، وقد آن الأوان أن نعي أن ذوي الإعاقة ليسوا بحاجة إلى صدقاتنا أو شفقتنا، بل إلى اعترافنا بحقوقهم، وإلى إزالة العوائق التي تحول دون مشاركتهم الكاملة في الحياة، فهناك اليوم ملايين من ذوي الإعاقة حول العالم، يعانون من التمييز في التوظيف، ومن العزلة في التعليم، ومن الحرمان من الخدمات الصحية الأساسية، ومن النظرة الدونية التي تختزل إنسانيتهم في إعاقتهم، وهذا الحرمان ليس مجرد قسوة اجتماعية، بل هو انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية، وهدر لطاقات كان يمكن أن تسهم في بناء مجتمعات أكثر ازدهاراً وإبداعاً، فالعديد من العباقرة والمبدعين في تاريخ البشرية، من أديسون إلى بيتهوفن، ومن هيلين كيلر إلى ستيفن هوكينغ، كانوا من ذوي الإعاقة، لكنهم لم يسمحوا لإعاقتهم بأن تكون سقفاً لطموحاتهم، بل جعلوا منها تحدياً يثبتون من خلاله أن العقل والإرادة أقوى من أي قيد جسدي، ومع أن هؤلاء الشخصيات استطاعت أن تفرض نفسها بقوة إرادتها، إلا أن الملايين من ذوي الإعاقة العاديين لا يملكون تلك الفرصة، لأن مجتمعاتهم تضع أمامهم حواجز لا تستطيع إرادتهم وحدها تذليلها، وهنا يأتي دور الدولة والمجتمع، في توفير بيئة شاملة، تبدأ من تصميم المدن والطرق والمباني لتكون في متناول الجميع، وتمتد إلى توفير التعليم الدامج، والتأهيل المهني، وفرص العمل العادلة، وأنظمة الحماية الاجتماعية التي تضمن للجميع حياة كريمة، والقوانين وحدها لا تكفي، فالأهم هو تغيير النظرة المجتمعية، تلك النظرة التي تختزل الإنسان في إعاقته، وتنسى أن خلف كل إعاقة إنساناً له أحلامه ومشاعره وطموحاته، والتغيير يبدأ من وعينا اليومي، من لغتنا التي نخاطب بها ذوي الإعاقة، ومن أفعالنا التي تترجم احترامنا لهم، فكثيراً ما نستخدم كلمات مثل “معاق” أو “مبتلى” أو “منكوب”، وهي كلمات تحمل دلالات سلبية، تعزز الشعور بالنقص، بدلاً من استخدام كلمات محايدة وموضوعية كـ”ذوي الإعاقة” أو “أصحاب الهمم”، وهذا التغيير في المصطلحات ليس شكلياً، بل يعكس تحولاً في الوعي، من النظرة الدونية إلى النظرة الإنسانية المتساوية، ومن المهم أيضاً أن ندرك أن ذوي الإعاقة ليسوا كتلة واحدة، بل هم أفراد مختلفون، لكل منهم احتياجاته وقدراته وتحدياته الخاصة، فالإعاقة البصرية تختلف عن السمعية، والحركية تختلف عن الذهنية، وكل نوع يتطلب استجابة مختلفة، ولا يمكننا أن نطبق حلولاً جاهزة على الجميع، بل نحتاج إلى سياسات مرنة، تراعي هذا التنوع، وتتعامل مع كل حالة على حدة، وتستمع إلى صوت ذوي الإعاقة أنفسهم في رسم هذه السياسات، لأن لا أحد يعرف احتياجاتهم أكثر منهم، وإدماجهم في عملية صنع القرار ليس مجرد إنصاف، بل هو استثمار في حلول أكثر فعالية واستدامة، وعندما نتحدث عن حقوق ذوي الإعاقة، فإننا نتحدث عن حقهم في الحياة، وحقهم في التنقل، وحقهم في التعليم، وحقهم في العمل، وحقهم في الزواج وتكوين أسرة، وحقهم في المشاركة السياسية، وحقهم في التعبير عن رأيهم، وحقهم في الخصوصية، وحقهم في الوصول إلى المعلومات، هذه الحقوق ليست منة أو تفضلاً، بل هي واجبات إنسانية وقانونية، نصت عليها المواثيق الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي صادقت عليها معظم دول العالم، لكن الفجوة بين النصوص والواقع ما زالت واسعة، ففي كثير من المجتمعات، يظل ذوو الإعاقة يعيشون في هوامش الحياة، بعيداً عن الأنظار، محرومين من فرص متساوية، مما يخلق حلقة مفرغة من الفقر والتهميش، الفقر يزيد من احتمالية الإعاقة بسبب سوء التغذية والرعاية الصحية، والإعاقة تزيد من احتمالية الفقر بسبب العزلة عن سوق العمل، وهذه الحلقة تحتاج إلى تدخل حكومي جريء .

قد يعجبك ايضا