هل يمكن أن يكون الصمت جريمة؟ عندما يتحول السكوت إلى مسؤولية قانونية .

د. نوري جاسم ..

هل يمكن للإنسان أن يرتكب جريمة من دون أن يفعل شيئًا؟ سؤال قد يبدو للوهلة الأولى غريبًا، فالجريمة في صورتها التقليدية ترتبط بالفعل والحركة والسلوك، غير أن القانون لا ينظر دائمًا إلى ما يفعله الإنسان فقط، بل قد ينظر كذلك إلى ما امتنع عن فعله، عندما يكون ذلك الفعل واجبًا عليه بموجب القانون. ومن هنا تبدأ المفارقة: الصمت في ذاته ليس جريمة، والسكوت ليس دليلًا على الإدانة، وقد يكون في بعض المواقف حقًا مشروعًا أو موقفًا حكيمًا، لكن الصمت قد يتحول في ظروف معينة من مجرد امتناع عن الكلام إلى مسؤولية قانونية، بل وإلى مسؤولية جنائية، متى كان القانون قد أوجب على الشخص أن يتكلم أو يبلغ أو يؤدي فعلًا معينًا ثم اختار الامتناع عنه. وقد أخذ قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل بهذه الفكرة عندما اعتبر السلوك الإجرامي قد يكون بارتكاب فعل جرمه القانون أو بالامتناع عن فعل أمر به القانون، وهو ما يعني أن القانون لا يعاقب الإنسان على صمته لمجرد أنه صامت، وإنما ينظر إلى وجود واجب قانوني سابق يجعل من الامتناع سلوكًا له أثر قانوني. وهنا تظهر أهمية التمييز بين الصمت بوصفه موقفًا شخصيًا، والصمت بوصفه امتناعًا عن أداء واجب قانوني؛ فالمواطن الذي لا يعلم بواقعة معينة ليس كمن يعلم بها ويكون القانون قد ألزمه بالإبلاغ عنها، والإنسان العادي ليس بالضرورة في المركز القانوني ذاته الذي يوجد فيه الموظف أو المكلف بخدمة عامة الذي يعلم بالواقعة بحكم وظيفته واختصاصه، كما أن من يلتزم الصمت لا يكون بالضرورة شريكًا في الجريمة أو متسترًا عليها، لأن المسؤولية الجنائية لا تقوم على الانطباعات الأخلاقية وحدها، وإنما تحتاج إلى نص قانوني يحدد الفعل أو الامتناع ويقرر له الجزاء. ولعل أكثر الصور وضوحًا في هذا المجال ما يتعلق بالموظف أو المكلف بخدمة عامة عندما يكون تنفيذ حكم أو أمر صادر عن القضاء داخلًا في اختصاصه، ثم يمتنع عن التنفيذ دون مسوغ قانوني؛ فالمشرع العراقي لم يترك هذه المسألة للأعراف أو التقديرات الشخصية، وإنما جرم في المادة 329 من قانون العقوبات بعض صور وقف أو تعطيل تنفيذ الأوامر والأحكام، كما رتب المسؤولية على الموظف أو المكلف بخدمة عامة الذي يمتنع عن تنفيذ حكم أو أمر صادر من إحدى المحاكم أو من سلطة عامة مختصة بعد إنذاره رسميًا ومضي المدة التي حددها القانون. وهنا لا يعود الصمت مجرد صمت، لأن وراءه واجبًا قانونيًا واضحًا، ويصبح الامتناع عن القيام بالواجب هو محل المساءلة. والأمر ذاته يبرز بصورة مختلفة في مجال العدالة، فالقانون لا يكتفي أحيانًا بمعاقبة من يقول قولًا كاذبًا، وإنما يتدخل أيضًا عندما يؤدي الشخص شهادة في إطار قانوني ويكتم عمدًا بعض الوقائع التي يعرفها، إذ عالج المشرع العراقي شهادة الزور ضمن الجرائم المخلة بسير العدالة، واعتبر من صورها تقرير الباطل أو إنكار الحق أو كتمان كل أو بعض ما يعرفه الشاهد من الوقائع التي يؤدي الشهادة عليها. وهذا يكشف لنا أن الصمت ليس له حكم قانوني واحد؛ فقد يكون حقًا، وقد يكون مباحًا، وقد يكون تقصيرًا مدنيًا أو تأديبيًا، وقد يرتقي في حالات محددة إلى جريمة، بحسب طبيعة الواجب الذي فرضه القانون على الشخص ومركزه القانوني والظروف المحيطة بالواقعة. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: هل الصمت جريمة؟ وإنما: متى يتحول الصمت إلى جريمة؟ والجواب أن ذلك لا يكون بمجرد أن المجتمع يرى أن الشخص كان ينبغي له أن يتكلم، وإنما عندما يوجد التزام قانوني واضح يفرض عليه القيام بفعل معين ثم يمتنع عنه، لأن القاعدة الأساسية في القانون الجنائي هي ألا تتحول الأخلاق وحدها إلى مصدر للعقوبة، وألا يعاقب الإنسان إلا على فعل أو امتناع يجرمه القانون. ومن هنا يجب الحذر من فكرة خطيرة قد تؤدي إلى التوسع في التجريم، وهي اعتبار كل من علم بجريمة ولم يتحدث عنها مجرمًا؛ فهذه النتيجة لا يمكن تعميمها، لأن المركز القانوني لكل شخص يختلف عن الآخر، ولأن المسؤولية الجنائية تحتاج إلى سند قانوني وشروط محددة. فقد يسكت الإنسان لأنه لا يملك معلومات كافية، وقد يسكت خوفًا أو جهلاً أو لعدم علمه بوجود واجب قانوني، وقد يكون صمته في حالات أخرى ممارسة لحق يحميه القانون، ولذلك لا يمكن وضع جميع صور الصمت في سلة واحدة. وفي المقابل، فإن المجتمع لا يستطيع أن يحمي القانون إذا أصبح كل شخص قادرًا على التنصل من واجباته بمجرد الصمت، ولهذا تدخل المشرع في بعض المواضع ليضع حدودًا واضحة للصمت المشروع ويحدد الحالات التي يصبح فيها الامتناع ذاته سلوكًا مؤثمًا. إن المسألة في جوهرها ليست معركة بين الكلام والصمت، وإنما هي معركة بين الحرية والمسؤولية؛ فالإنسان حر في أن يصمت حيث لا يفرض عليه القانون الكلام، لكنه عندما يضعه القانون في مركز يترتب عليه واجب محدد، فإن الحرية في الامتناع لا تبقى مطلقة. وهنا تتجلى دقة القانون وعدالته؛ فهو لا يعاقب الإنسان لأنه قليل الكلام، ولا لأنه اختار الصمت، وإنما قد يعاقبه لأنه امتنع عن أداء واجب قانوني كان ملزمًا به. ولذلك فإن أخطر صمت ليس هو الصمت الذي يخفي رأيًا، وإنما الصمت الذي يعطل واجبًا، ويهدر حقًا، ويعرقل تنفيذ حكم، أو يؤدي في الحالات التي حددها القانون إلى الإخلال بسير العدالة. وفي النهاية، لا يمكن القول إن كل صامت مذنب، كما لا يمكن القول إن كل من تكلم بريء؛ فالقانون لا يحاكم الإنسان على عدد الكلمات التي قالها أو لم يقلها، وإنما يحاكم السلوك الذي اكتسب وصفه القانوني من خلال النص والواجب والظروف. وربما تكون المفارقة الأجمل في هذا الموضوع أن القانون قد يسمح للإنسان أن يصمت، لكنه لا يسمح له دائمًا أن يصمت عندما يكون الكلام واجبًا عليه؛ فالصمت قد يكون حكمة، وقد يكون حقًا، وقد يكون حيادًا، لكنه في لحظة معينة، وعندما يقرر القانون وجود واجب لا يجوز التخلي عنه، قد يتحول من مجرد سكوت إلى مسؤولية. وهنا يصبح السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا أمام القارئ: إذا كان القانون قد يجرّم فعلًا قام به الإنسان، فهل يمكن أن يجرّم أيضًا فعلًا امتنع الإنسان عن القيام به؟ الجواب نعم، ولكن ليس لأن الصمت جريمة في ذاته، وإنما لأن القانون قد يجعل من الامتناع عن واجب محدد جريمة. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

قد يعجبك ايضا