الدِّيمُقْراطِيَّة التحدي الأكبر في العراق

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

لذا، تكمن الأولوية في دراسة ازدواجية المفاهيم والكلمات المتعلقة بهذا الحضور وما تنطوي عليه من غموض. هذا هو الغرض من هذه الورقة الخضراء الصغيرة.

رجلُ الدين ليس درويشًا يعتزل الناس وينأى بنفسه عن آمالهم وقضاياهم، بل هو صاحب رسالة روحية وإنسانية. وله كلمة وموقف في الشأن العام والوطني. وهو، في ذلك، يقتدي بالمسيح الذي بكى على أورشليم- القدس، وبذل ذاته من أجل البشر، لكي تكون لهم الحياة، وتكون لهم بوفرة. من هذا المنطلق، فإن على رجل الدين أن يحذوَ حذوَ الأنبياء، وأن يتحلى بالقوة والشجاعة نفسَها، فيتخذ الموقف الذي تمليه عليه رسالته، من دون خوف، أو انتقاء للمواقف وفقًا للمصالح الشخصية.
الناس مختلفون في الجنس والطبع والثقافة والدين والمذهب والإثنية. هذه التركيبة البديعة جزء طبيعي من وجودنا. لقد خلقنا الله مختلفين لنتعارف ونتحابب ونتكامل ونتسامح، لذلك ينبغي الاعتراف بها واحترامها، ولا جعلها مصدرأً للصراع. فالإنسان لا يكتمل وجوده من دون الآخرين. والتعدد لا ينبغي أن يكون سببًا للتفرقة او للإغاء، بل يجب تحويله الى طاقة بناءة من خلال إدارة الاختلاف والتعايش معه ويجعل المؤسسات أكثر كفاءة.
ترسيخ الدِّيمُقْراطِيَّة في العراق وفي منطقتنا يُعدّ واحدًا من أكبر التحديات التي تواجه المجتمع. فقد أسهم تنامي التطرف الديني والقومي في تعميق الانقسامات الاجتماعية وتصاعد الطائفية والمحاصصة، والنظر إلى المجتمع بوصفه مجموعة من المكونات الدينية والإثنية، بدل النظر إليه بوصفه مجتمعًا واحداً ومتماسكاً من المواطنين المتساوين ضمن إطار الوطن الواحد.

الدِّيمُقْراطِيَّة ليست مجرد شكل من أشكال الحكم، ولا تقتصر على إجراء الانتخابات، بل هي منظومة سياسية وأخلاقية وقانونية تقوم على حكم الشعب، وسيادة القانون، والمساواة بين المواطنين، وصون الحريات والحقوق الأساسية والالتزام بمُخرجاتها، فالمواطن في الدولة الديمقراطية لا تُقاس قيمته بدينه أو قوميته أو جنسه أو انتمائه الاجتماعي، وإنما بكونه إنسانًا ومواطنًا متساويًا مع الآخرين في الحقوق والواجبات.

وللدِّيمُقْراطِيَّة جذور عميقة في الفكر الفلسفي والسياسي. فقد ناقش أفلاطون في كتابه “الجمهورية” مسألة الدولة العادلة والنظام السياسي الأفضل، وطرح تصورًا فلسفيًا للمدينة الفاضلة يقوم على العدالة وتنظيم المجتمع وفق تصور محدد للفضيلة والحكم الرشيد. أما القديس أوغسطين، فقد قدّم في كتابه “مدينة الله” رؤية فلسفية ولاهوتية تميّز بين «مدينة الله» التي تقوم على محبة الله والناس، و”المدينة الأرضية” التي يغلب عليها حب الذات والمصالح الدنيوية والصراعات. و قبلهما كانت شريعة حمورابي الملك البابلي الذي تُعد شريعته من اقدم واهم النصوص القانونية المكتوبة في تاريخ البشرية( بين 1755-1750ىقبل الميلاد) وقد نظمت الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مملكة بابل.

من الناحية اللغوية، فإن كلمة ” دِّيمُقْراطِيَّة” مشتقة من اليونانية-δημοκρατία- ديموكراتيا. وتتكون من كلمتين: ديموس بمعنى الشعب، وكراتوس بمعنى الحكم. والمقصود بها، في صورتها الحديثة، مشاركة المواطنين المؤهلين في اختيار ممثليهم وصنع القرار السياسي، ضمن نظام يضمن لهم المساواة، بحيث لا يكون هناك مواطن من الدرجة الأولى وآخر من الدرجة الثانية أو الثالثة.

لا تكتمل الدِّيمُقْراطِيَّة بمجرد وجود صناديق الاقتراع، بل تحتاج إلى مجموعة من المبادئ والمؤسسات. ينبغي دراسة ازدواجية المفاهيم والكلمات المتعلقة بهذا النظام العالمي اليوم. هذا هو الغرض من هذه الأفكار التي اطرحها.
من أهم عناصر الدِّيمُقْراطِيَّة:ومن أهم عناصرها:

1. انتخابات حرة ونزيهة وشفافة: تُتيح للمواطن اختيار ممثليه من دون إكراه أو تهديد أو شراء للأصوات، مع ضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين.
2. حرية التعبير والرأي: لأن المجتمع لا يستطيع تصحيح أخطائه من دون نقد حر يعتمد على الحقيقة والمسؤولية. ولا يمكن للديمقراطية أن تزدهر في ظل تقييد التعبير عن الرأي. وقد أكدت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في حرية الرأي والتعبير. الكلمة الصادقة تُصان كما يُصان الشرف!
3. حرية الفكر والضمير والدين هي من الحقوق الأساسية للإنسان. وتشمل حق الفرد في تبني المعتقد الذي يختاره من دون إكراه أو تمييز. لذا أسلمة الناس باكراه أو بقوة القانون او مسحنتهم( جعلهم مسيحيي امر مرفوض، فالدين يُعرض ولا يُفرض. وقد نصت على ذلك المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
4. حكومة تقوم على الكفاءة والمواطنة: فالدولة الديمقراطية تحتاج إلى مؤسسات يُديرها أشخاص أكفاء، يكون ولاؤهم للدولة والقانون والمصلحة العامة، لا للأحزاب أو الجماعات الضيقة. وظيفة الحكومة هي خدمة المواطنين وتحقيق الصالح العام، لا خدمة المصالح الحزبية.
5. إعتماد دستور مدني يقوم على مبدأ الفصل بين الدين والدولة، أسوةً بالأنظمة الدستورية الديمقراطية الحديثة، مع ضمان احترام جميع الأديان والمعتقدات وحرية ممارستها لشعائرها وطقوسها، وعدم التدخل في شؤونها الدينية، ما دامت لا تتعارض مع الدستور والنظام العام.
6. تطوير قوانين الأحوال الشخصية بما ينسجم مع مبدأ المساواة والحقوق الأساسية: . ينبغي أن تقوم التشريعات على احترام حرية المعتقد وكرامة الإنسان والمساواة أمام القانون، مع معالجة قضايا المرأة والرجل ضمن إطار المساواة وعدم التمييز بينهما بناءعلى اختلاف الجنس خصوصاً في موضوع الزواج والإرث. المرأة ليست ناقصة الأهلية أو القدرة، وقد أثبت التاريخ أن للنساء القدرة على تولّي أعلى المناصب والمسؤوليات في الدولة والمجتمع. فقد عرف العالم ملكات ورئيسات جمهوريات ورئيسات وزراء ووزيرات خلّدهن التاريخ بإنجازاتهن.
7. سنّ قوانين تستجيب للواقع الاجتماعي المتغير: فالقانون ليس نصوصًا جامدة أبدية، منفصلة عن حياة الناس، بل وسيلة لتنظيم المجتمع وحماية الحقوق والحريات وتحقيق العدالة. لذلك ينبغي أن تتطور القوانين بما ينسجم مع حاجات المجتمع الحالي ويحفظ كرامة الإنسان وحقوقه ورفاهه.
8. اقتصاد وطني متنوع ومزدهر، يقوم على تنويع مصادر الدخل، وتشجيع الاستثمار، ودعم القطاع الخاص والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية، بما يضمن فرص العمل ويعزز الاستقرار الاقتصادي ويرفع مستوى معيشة المواطنين.

من هنا، فإن الدِّيمُقْراطِيَّة في العراق تتطلب بناء ثقافة ديمقراطية تجعل المواطنة أساس العلاقة بين الفرد والدولة، وتضع الإنسان قبل الطائفة والقومية والحزب، والانتقال من منطق المكونات إلى منطق المواطنة، ومن المحاصصة إلى الكفاءة، ومن الولاءات الضيقة إلى المواطنة والمصلحة العامة وتجعل القانون فوق الجميع. عندها فقط يمكن للديمقراطية أن تتحول من شعار سياسي إلى ممارسة حقيقية تؤسس لدولة عادلة، تحترم الإنسان وتضمن له الحرية والمساواة والكرامة.

قد يعجبك ايضا