من انكسار أيلول إلى وحدة البيشمركة… ماذا نتعلم اليوم؟

ماهين شيخاني

هناك تواريخ في الذاكرة الكوردية لا ينبغي أن نقرأها باعتبارها مجرد صفحات من الماضي، بل باعتبارها دروساً للمستقبل.
عام 1975 كان واحداً من أقسى تلك الدروس. فقد انتهت ثورة أيلول بعد اتفاق الجزائر في 6 آذار/مارس 1975، الذي أوقف الدعم الإيراني للثورة، فانهارت الجبهة الكوردية وتشتت الآلاف. لم يكن ذلك انتصاراً، بل انكساراً عسكرياً وسياسياً قاسياً. لكن انكسار الثورة لم يكن انكساراً للقضية.
بعد عام واحد فقط، في 26 أيار/مايو 1976، بدأت ثورة كولان، لتؤكد أن القضية التي تستند إلى شعب وإرادة لا تنتهي بسقوط جبهة.
ثم جاءت انتفاضة آذار 1991، وفتحت الطريق أمام تجربة سياسية ومؤسساتية جديدة في كوردستان العراق، وصولاً إلى انتخاب البرلمان والحكومة، ثم الاعتراف الدستوري بإقليم كوردستان كإقليم اتحادي في دستور العراق لعام 2005.
لكن تجربة كوردستان لم تكن خالية من الأخطاء والانقسامات. فقد عاش الإقليم نفسه سنوات صعبة من التنافس والصراع الداخلي. ومع ذلك، بقيت هناك محاولات متواصلة لتحويل القوة الحزبية إلى مؤسسات رسمية، ومن أبرز الملفات التي ظلت معلقة لسنوات طويلة ملف توحيد قوات البيشمركة.
واليوم يأتي خبر مهم يحمل دلالة أكبر من تفاصيله العسكرية.
فبحسب الإعلان الصادر عن وزارة شؤون البيشمركة في حكومة إقليم كوردستان، اكتملت عملية توحيد قوات البيشمركة بعد أكثر من ثلاثة عقود من بقائها منقسمة بين تشكيلات مرتبطة تاريخياً بالقوتين الكورديتين الرئيسيتين. وهي خطوة جاءت بعد سنوات من الإصلاح وإعادة التنظيم ومحاولات دمج القوات تحت مظلة وزارة واحدة.
قد يختلف الكورد سياسياً، وهذا أمر طبيعي، لكن السؤال الأهم هو: هل يتحول الاختلاف السياسي إلى انقسام في المؤسسات والقوة والمصالح العليا؟
هنا تكمن قيمة هذا الحدث.
فتوحيد البيشمركة لا يعني انتهاء التعددية السياسية، ولا يعني أن الأحزاب الكوردية أصبحت حزباً واحداً، وإنما يعني أن هناك قضايا يجب أن تكون أكبر من الحزب، وفي مقدمتها أمن الإقليم ومؤسساته ومصالح شعبه.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يصل إلى كورد سوريا.
بعد سنوات طويلة من التضحيات والإدارة الذاتية ومواجهة الإرهاب والنزوح والحروب، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: من يمثل الكورد؟ بل يجب أن يكون السؤال الأهم: ما المشروع الذي يتفق عليه الكورد؟
فالاندماج في الدولة السورية، إذا قام على الشراكة والحقوق والاعتراف والضمانات، ليس مشكلة. أما أن يتحول الاندماج إلى ذوبان للهوية أو تنازل عن الحقوق، فهنا يصبح الخطر حقيقياً.
والاعتراف باللغة الكوردية وإدخالها إلى التعليم خطوة مهمة، لكن حصتين دراسيتين في الأسبوع ليستا صفراً، كما أنهما ليستا سقف الحلم الكوردي.
المطلوب اليوم ليس استنساخ تجربة كوردستان العراق، فلكل جزء من كوردستان ظروفه السياسية والتاريخية المختلفة، وإنما الاستفادة من منهج التجربة: تحويل التضحيات إلى مؤسسات، والقوة إلى مشروع سياسي، والتعدد الحزبي إلى تنافس ديمقراطي، لا إلى انقسام يبدد القوة.
لقد علّمنا عام 1975 أن الانقسام والاعتماد على الظروف الخارجية وحدها يمكن أن يكونا كارثيين.
وعلّمتنا كولان أن الانكسار ليس نهاية الطريق.
وعلّمتنا انتفاضة 1991 أن التضحيات يمكن أن تتحول إلى مؤسسات.
واليوم، يأتي توحيد البيشمركة ليضيف درساً جديداً:
يمكن أن نختلف سياسياً، دون أن ننقسم حول القضايا التي تمس مستقبل الشعب الكوردي.
وهنا تبدأ الوحدة الحقيقية.
ليست الوحدة أن نجلس جميعاً حول طاولة واحدة لالتقاط صورة، بل أن نتفق على الحد الأدنى الذي لا يجوز التفريط به: الهوية، اللغة، الحقوق، الأمن، والقرار السياسي المستقل عن المصالح الحزبية الضيقة.
كورد سوريا لا يحتاجون إلى ثورة جديدة كي يتعلموا معنى الوحدة؛ يحتاجون إلى قراءة تاريخهم وتاريخ إخوتهم في كوردستان العراق بعيون مفتوحة.
فالتاريخ لا يعيد نفسه دائماً، لكنه يترك لنا إشارات واضحة.
ومن لا يتعلم من انكسار الأمس، قد يخسر فرصة الغد.
والوحدة ليست نهاية الاختلاف…
بل هي الطريقة التي تجعل الاختلاف قوة، لا سبباً للانكسار.

قد يعجبك ايضا