هورين حسن
انتفاضة وعي جماعي: دماء (سيبان حزني) تفجّر غضب الرأي العام
لا يمكن وصف الجريمة النكراء التي هزت أركان محافظة الحسكة خاصة، والجزيرة السورية برمتها إلا بأنها انعطاف خطير نحو الفوضى المطلقة، وطعنة مسمومة في خاصرة السلم الأهلي والتعايش المشترك.
إن مقتل المقاتل، سامي شيخموس حسو (المعروف عسكرياً باسم سيبان حزني) لم يكن مجرد حادثة جنائية عابرة أو قضاء وقدر، بل كان عملية إعدام بربرية وحشية، تحولت فوراً إلى قضية رأي عام كبرى خارج نطاق أي قانون أرضي أو سماوي.
أن يُستدرج مقاتل ويُختطف علناً في وضح النهار، ثم تُمطر جثته بالرصاص، لتنتهي المأساة بـالنحر والتمثيل بالسكاكين وتوثيق هذه الفظائع بدم بارد ونشرها على الملأ عبر منصات التواصل الاجتماعي، هو سلوك همجي صدم الوجدان الشعبي.
إنها جريمة متكاملة الأركان، أثبتت للرأي العام أن خلايا العقلية الإرهابية وتصفية الحسابات بطرق دموية ما زالت تعشش في عقول بعض الخارجين عن القانون.
سؤال يحرق الشارع: كيف يُساق أبطال الجبهات الأبرياء إلى مسالخ الغدر العشائري؟
وهنا يبرز السؤال الوجودي والحارق الذي يشعل شوارع الحسكة وقامشلو وديريك وعامودا والدرباسية اليوم؟
بأي حق، ومن مفوّض هؤلاء القتلة، ولصالح أي أجندة يتم ذبح ونحر مقاتل لا ذنب له، قضى زهرة شبابه في الخنادق الأمامية لمقارعة “داعش” الإرهابي؟
كيف يتحول من واجه المفخخات وعاش الموت دفاعاً عن تراب هذه الأرض، ومن قدم أشقاؤه دماءهم شهداء في معارك الشرف، إلى صيد سهل يُساق إلى مسالخ الغدر بذريعة الثأر؟
إن التذرع بأحداث وخصومات وقعت قبل عامين لتبرير هذا السلوك البربري هو عذر أقبح من ذنب، ومحاولة رخيصة لتغطية الجريمة المنظمة بعباءة القبيلة.
العشائر العربية الأصيلة وقبيلة البكارة العريقة براء من هذه الأساليب الداعشية التي تعتمد ترويع الآمنين والتمثيل بالجثث، وهي الممارسات التي ظن سكان الجزيرة أنهم دفنوها إلى غير رجعة مع سحق دولة الخلافة المزعومة.
قضية مجتمعية حارقة: تصفية عناصر التشكيلات الرسمية تنسف أمن واستقرار الجميع
البُعد الأكثر خطورة الذي يثير قلق النخب والمراقبين في هذه القضية يتجاوز دافع الانتقام الشخصي ليمس صلب الاستقرار الاستراتيجي للمنطقة.
الشهيد سيبان كان قد انضم مؤخراً إلى صفوف لواء الجيش السوري (لواء الحسكة) تحت مظلة وزارة الدفاع في إطار تفاهمات دمج القوات والتشكيلات المحلية الرامية إلى بسط الأمن.
هذا الانضمام والغطاء العسكري الرسمي، كان يفرض أمام الرأي العام أن تخضع أي مظلمة أو اتهام سابق بحقه لسلطة القضاء العسكري والمحاكم الرسمية للدولة، حيث تُرد الحقوق بالقانون لا بالبلطجة.
أما أن تسترخص مجموعات دماء منتسبي القوات الرسمية وتنفذ “الأمن الذاتي” خارج إطار المؤسسات، فهذا يمثل تحدياً سافراً ومباشراً لهيبة الترتيبات الأمنية.
إن هذا التجرؤ يبعث برسالة مرعبة للشارع ومفادها؛ أن التفاهمات العسكرية لا تحمي أصحابها من تصفية الحسابات القديمة، ممّا يهدد بنسف مسار الاستقرار بكامله.
غليان الحاضنة الشعبية: رفض جارف للداعشية المستترة ومحاولات فرض شريعة الغاب
إن الاحتجاجات العارمة والتظاهرات الغاضبة التي خرجت فيها جموع الشعب الكردي والحاضنة الشعبية في مدن الجزيرة السورية، وتواصلت حتى ساعات الصباح الأولى، ولاتزال مستمرة، لم تكن مجرد بكاء على رحيل مقاتل!
بل هي انتفاضة رأي عام ضد استسهال إراقة الدماء الكردية واستيراد ثقافة النحر البغيضة لتسوية الخلافات العائلية والميدانية.
الشارع السوري بمختلف مكوناته، يرفض اليوم بوضوح وبأعلى صوت تحويل المنطقة إلى غابة لا يحكمها سوى السلاح المنفلت والعرف الأعمى.
لقد تحولت قضية (سيبان حزني) إلى مسألة كرامة وطنية، تمس أمن واستقرار كل عائلة في الجزيرة السورية، ولم يعد هناك أي مجال أو رفاهية للمواربة، أو المحاباة، أو محاولة تمييع دماء الضحية البريئة تحت أي مبررات واهية.
مطلب جماهيري حاسم: لا مصالحات ترقيعية على حساب القصاص العادل والعلني
أمام هذا المنعطف الخطير، يطالب الرأي العام والشارع الغاضب كلاً من القيادة العسكرية ووزارة الدفاع واللجان الأمنية المشتركة، جنباً إلى جنب مع شيوخ وعقلاء قبيلة البكارة، باتخاذ موقف تاريخي وأخلاقي حازم لا يقبل التردد أو الوقوف في المناطق الرمادية.
يجب على الجميع إدراك أن القاتل يمثل نفسه وسلوكه الإجرامي ولا يمثل مكوناً أو عشيرة بأكملها، وبالتالي يجب قطع الطريق على كل الأبواق التحريضية التي تسعى لتحويل هذه الجريمة الفردية إلى اقتتال قومي أعمى بين العرب والكرد.
إن التحرك الفوري لإلقاء القبض على الجاني الرئيسي (م.ع) وبقية أفراد شبكة الخطف والتصفية، وسوقهم إلى مشنقة العدالة عبر القضاء الرسمي، هو المخرج والحل الوحيد المقبول لنزع فتيل هذه الفتنة النائمة.
إن أي محاولة للالتفاف على القانون، أو اللجوء إلى المسكنات التقليدية مثل، الصلح العشائري ودفع الديات دون محاسبة قضائية رادعة تقتص من السكين التي نحرت المقاتل، لن يكون سوى صب للزيت على النار، وإعلان رسمي عن شرعنة شريعة الغاب، وترك الجزيرة السورية رهينة لبرميل بارود قد ينفجر في أي لحظة ليحرق الأخضر واليابس.
اختبار حقيقي للعدالة والسلم الأهلي
لم تعد قضية الشهيد (سيبان حزني) مجرد ملف جنائي يُطوى بمرور الزمن أو بجلسة صلح تقليدية، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي ومصيري لمدى صمود السلم الأهلي في الجزيرة السورية أمام عواصف السلاح المنفلت.
إن إصرار الرأي العام على المتابعة والمحاسبة يضع جميع القوى المؤثرة في المنطقة، عسكريين ووجهاء، أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما الانتصار لسلطة القانون والدولة وحماية دماء الأبرياء، وإما الانكفاء والسماح لعقارب الساعة بالعودة إلى عصور الجاهلية وفوضى الذبح والتمثيل.
إن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا عندما يدرك كل خارج عن القانون أن دماء المقاتلين الذين أفنوا حياتهم في دحر الإرهاب هي خط أحمر، وأن يد العدالة الرسمية والعلنية كفيلة بقطع كل السكاكين التي تتجرأ على العبث بأمن هذا الوطن ونسيجه الاجتماعي.