زينه عبدي
لم تكن ثورة أيلول عام 1961 في جبال جنوب كوردستان مجرد حراك مسلح بوجه الخارطة السياسية للعراق، بل تجاوزت حدود الهبة المسلحة وبلورت محطة استحقاق سياسي حقيقية في مسار القضية الكوردية، على هيئة ملحمة مجتمعية شاملة في طليعتها المرأة الكوردستانية؛ إذ فُكِّكت وقتذاك بنية جمهورية العراق أمام ملف يتساءل عن كيفية احتواء الكيان السياسي للتنوع القومي عندما تتحول الهوية من الواقعية الاجتماعية إلى مطالبة سياسية بالحقوق والاعتراف بها. وهنا تحديداً، تحضر راديكالية أيلول التي أكسبتها أهمية كبيرة كونها بمثابة زلزال سياسي هز كيان الدولة العراقية عبر فرضها القضية الكوردية كعامل ثابت في المعادلة السياسية.
تتخطى أيلول حدود العقود الستة المنصرمة؛ لتضع المرأة الكوردستانية في قلب المعادلة الوطنية؛ فمن النضال الاستثنائي والفداء السياسي الذي جسدته ليلى قاسم، إلى المشاركة النسوية للمرأة تنظيميا وقياديا في صلب أصعب المفاصل التاريخية للثورة، لم تكن المرأة ظلا أحاديا أو مجرد شريك في الإسناد، بل غدت صانعة للمشهد السياسي أيضا، والسد المنيع لحماية جوهر هويتها، وصانعة قرار وعقل مدبر. وتستمد أيلول حضورها اليوم من أثرها الزلزالي على حالة الاستعصاء السياسي، وتحريكها المياه الراكدة في المسار السياسي، لتلقي بظلال أسئلتها في وجه المشهد الراهن: إلى أي مدى تُرجِم النضال التاريخي للمرأة إلى شراكة حقيقية أصيلة في تقاسم السلطة وصناعة القرار، أم أنه اختزل في تمثيل شكلي وبروتوكولي ما؟ وهل استطاع الحراك الكوردي رد اعتبار طليعتها النسوية والارتقاء بها إلى مستوى الاستحقاق التاريخي؟
أيقونة الريادة
تجاوزت مشاركة المرأة الكوردستانية في ثورة أيلول حدود الاستجابة لظروف نضالية وفقا لمتغيرات المرحلة آنذاك، لتشمل بلورة لحظة فارقة أثبتت فيها المرأة حضورها الفاعل كعقل مدني وركيزة مفصلية في مسار العملية السياسية والمجتمعية وإنجاحه، حيث قدمت في خضم الثورة دعما لوجستيا وميدانيا، وتحملت أعباء الحياة بمفردها أثناء غياب الرجال عنهن، وساندن الحراك القومي رغم تهجيرهن واستمرار معاناتهن إلى جانب الرجال في جبهات القتال، ناهيك بزرعها وترسيخها لقيم الانتماء القومي والوعي الوطني في نفوس الجيل الجديد خلال الحقبة الممتدة لثورة أيلول حتى عام 1975.
لقد تسامت المرأة في أيلول متخطية الأطر الضيقة، لتغدو شريكا حقيقيا في رسم وتوجيه المشهد السياسي وصانعة للقرار في قلبه، محطمة بذلك الصورة النمطية التي سعت لتأطيرها في الهامش لتصبح رائدة في صناعة الوعي المجتمعي نحو صون الهوية الثقافية والسياسية لكوردستان، والتماسك المجتمعي من محاولات الإنكار والانصهار سيما في مراحل الاستعصاء والتحدي.
ولم تقف الريادة لهذه المرأة عند إطار الملامح التأسيسية للنصال والبناء الشامخ فحسب، بل ارتقت فاعليتها النسوية نحو فرض ثقلها وتأثيرها المباشر في صياغة التاريخ السياسي وذاكرته؛ إذ تتجسد هذه البصمة الخالدة في تجربة ليلى قاسم الأيقونية، حيث شكلت منعطفا استثنائيا في مسار النضال السياسي وبلورة الوعي النسوي عبر إعادة تعريف الفعل النضالي والتمرد على قوالبه الجاهزة.
وتجلت إسهامات قاسم في مسار الثورة من خلال دورها الريادي في جامعة بغداد، إذ نقلت الوعي الثوري والنضالي من قلب جبال كوردستان إلى صدارة المشهد الأكاديمي والساحات المدنية عبر تنظيمها لنشاطات حراكية وتوعوية متتالية في الأوساط الشبابية لتعزيز الأفكار التحررية والدفاع عن القضية الكوردية. وقد أخرجت الثورة من رحم الإطار الجغرافي التقليدي لتؤسس لبؤرة نضال سياسي وإعلامي في قلب بغداد، تكافئ بوزنها صدى المعارك وثقلها العسكري في جبال كوردستان.
وعملت قاسم على الارتقاء بمفهوم المبادرة والالتزام السياسي عبر إدارة المخاطر والمواجهة المباشرة مع السلطة والتنظيم للعمل السياسي في قلب بغداد، ما يبرهن فعليا حجم الإرادة والطاقة النسوية الحقيقية الاستثنائية في مقارعة سياسات الهيمنة، وانتزاع المبادرة، وصناعة المواجهة السياسية، وتحمل التبعات الأمنية بجسارة والتزام؛ الأمر الذي حولها لأيقونة الموقف السياسي التاريخي الكوردستاني التي نُفِذ حكم الإعدام بحقها عام 1974 في العراق، منتزعة بذلك للمرأة الكوردستانية موقعها المستحق في صدارة القرار ومسار القضية الوطنية.
امتداد الأثر
ليس بالإمكان فصل المكاسب السياسية والحقوقية التي تتقيأ ظلالها المرأة الكوردستانية اليوم في جنوب كوردستان عن مسار ثورة أيلول التأسيسي؛ فقد تبلورت أرضية وبنية مؤسسية وهيكلية متماسكة للإقليم بفضل الحضور الأنثوي والنسوي الذي لا يزال في بعض المواقع يواجه رهانات واختبارات الشراكة الحقيقية بين التشريع والتطبيق:، نتيجة ما قدمته المرأة من تضحيات ومبادرات نضالية تاريخية خلال الثورة وحتى الوقت الراهن:
الريادة التشريعية والمأسسة السياسية: تجسد الاعتراف بدور النساء الكوردستانيات، والاستحقاق التاريخي بنسبة تمثيل برلماني حاكمة وملزم عبر تثبيت الكوتا النيابية (لا تقل عن 30%)، إذ ارتقت المرأة لتتقلد قيادة السلطة التشريعية، وصناعة السياسات العامة عبر الحقائب الوزارية، وفرض مشاركتها المباشرة في هيكلية السلطة وإدارة شؤون الدولة.
التحصين القانوني والتمكين المجتمعي: أثمر الحراك النسوي عن سن تشريعات تناهض التهميش والإقصاء والعنف وتكفل الحقوق المدنية، ناهيك بتطوير في قانون الأحوال الشخصية لدرء التمييز، ما وفر حاضنة قانونية لها لتتصدر قضايا توجيه الرأي العام، وقيادة المجتمع المدني، وإدارة القطاعات الأكاديمية والإعلامية والتأثير عليها، مؤكدة بذلك حضورها التنويري والفكري في مفاصل الإقليم كافة.
تحدي الفاعلية ومغادرة الهامشية: رغم ما رسخته المرأة من وعي تحرري في نفوس الأجيال الجديدة طوال سنوات الثورة، ورغم ما تُوج بحضور مجتمعي وتشريعي لافت، إلا أنه اليوم يصطدم في بعض المحطات وفي سياقات محددة بواقع يجعل الرهان الحالي معلقا بتحويل المقاعد الرقمية إلى ثقل سياسي حقيقي ، متجاوزا الأطر البروتوكولية للكوتا نحو الشراكة المباشرة في دوائر صنع القرار السيادي، بمعنى أن العطاء الاستثنائي الذي قدمته المرأة يحتاج إلى إنصاف فعلي على الأرض.
إن قراءة التجربة التحررية للمرأة الكوردستانية منذ ثورة أيلول وإلى اللحظة، لم ولن تكون جزء هامشيا في ذاكرة التاريخ والملحمة الوطنية، بل كانت ركيزة أساسية في هندسة الوعي. وما تحوزه اليوم من استحقاقات نيابية وحقوقية، ليست إلا نتاجا طبيعيا لمكابدة تاريخية ممتدة عبر عقود من الصمود والتضحية، وإن صناعة مستقبل كوردستان لن يكون مكتملا إلا بعقول النساء اللاتي صغن بالفكر والوعي والرؤية الحكيمة ملامح التاريخ.