الدكتور
نزار طاهر حسين الدليمي
لم تعد السياسة الخارجية شأناً مغلقاً تديره النخب الدبلوماسية خلف أبواب بعيدة عن المجتمع. فوسائل الإعلام، ومنصات التواصل، وسرعة تداول الصورة والخبر، جعلت الرأي العام طرفاً مؤثراً في فهم الدولة لمصالحها وفي الطريقة التي تقدم بها مواقفها إلى الخارج. قد تبقى القرارات الكبرى في يد المؤسسات الدستورية، لكن قدرة هذه المؤسسات على الاستمرار تتأثر بما يراه المواطنون عادلاً وممكناً ومفيداً لبلدهم. لذلك صار فهم الرأي العام ضرورة من ضرورات صنع سياسة خارجية متزنة، لا مجرد أداة دعائية تستعمل عند الحاجة.
الرأي العام ليس كتلة واحدة ذات موقف ثابت. إنه يتكون من تجارب الناس ومصالحهم ومخاوفهم وذاكرتهم الوطنية، ويتأثر بالاقتصاد والتعليم والثقافة والخطاب الإعلامي. حين يناقش المجتمع اتفاقاً دولياً أو أزمة حدودية أو حرباً بعيدة، فهو لا ينظر دائماً إلى التفاصيل القانونية المعقدة، بل يسأل عن الأثر على الأمن والكرامة وفرص العيش ومستقبل الأبناء. ومن واجب صانع القرار أن يدرك هذه الأسئلة وأن يجيب عنها بوضوح، بدلاً من افتراض أن الرأي العام لا يفهم إلا الشعارات.
يؤدي الإعلام دور الوسيط بين الحدث الخارجي والمجتمع. فهو الذي يختار الصورة والخبر والخلفية والخبير، وبذلك يساعد على تحديد ما يراه الناس مهماً. وقد يقدم الإعلام معرفة ترفع مستوى النقاش العام، حين يشرح السياقات ويعرض الرؤى المتعددة ويفصل بين المعلومة والتحليل. لكنه قد يتحول إلى عامل توتر إذا اختزل القضايا الدولية في انفعالات سريعة أو نقل الشائعات أو قدّم الخصم في صورة نمطية تمنع التفكير الهادئ.
وتزداد هذه المسؤولية في زمن المنصات الرقمية. فالمعلومة لم تعد تمر دائماً عبر مؤسسة تحريرية تتحقق منها، بل قد تنتشر في دقائق من حساب مجهول أو مقطع قصير خارج سياقه. ولهذا أصبحت مواجهة التضليل جزءاً من الأمن الوطني ومن جودة الدبلوماسية. لا يكون الرد الناجح بالمنع أو بالصوت العالي، بل بإتاحة معلومات دقيقة في الوقت المناسب، وبناء مؤسسات إعلامية مهنية، وتعليم الجمهور كيف يميز بين الخبر والرأي والدعاية.
وتظهر علاقة الرأي العام بالسياسة الخارجية بوضوح في الأزمات. فحين تقع مواجهة أو تهديد أو كارثة إنسانية، تحتاج الدولة إلى تأييد داخلي كي تتحرك بثقة. غير أن التأييد المتين لا يصنعه التخويف وحده، بل تصنعه الثقة. والمواطن يساند القرار الصعب عندما يرى أن الحكومة تحدثه بصدق، وتشرح له البدائل والمخاطر، وتظهر أن حياة الناس وسمعة الدولة ليستا موضوعاً للمساومة.
ولا يعني تأثير الرأي العام أن تتبع الدولة كل موجة انفعالية. فالسياسة الخارجية تحتاج أحياناً إلى صبر وإلى قرارات لا تكون شعبية في لحظتها، مثل الدخول في مفاوضات طويلة أو تقديم تنازل محدود لتجنب نزاع أكبر. لكن الفرق كبير بين القرار الذي يتخذ بمسؤولية ويشرح أسبابه، والقرار الذي يفرض من دون حوار أو تفسير. الدبلوماسية الحكيمة تحترم مشاعر المجتمع، لكنها لا تسمح للغضب العابر بأن يقود المصالح الاستراتيجية للدولة.
وتبقى اللغة السياسية عاملاً حاسماً. فحين تخاطب الحكومة الناس بلغة واقعية وواضحة، تبني جسراً بين الداخل والخارج. أما اللغة التي تبالغ في الوعود أو تصور كل تواصل مع العالم بوصفه انتصاراً أو خيانة، فإنها تضيق مساحة العمل الدبلوماسي. السياسة الخارجية الناجحة تحتاج إلى جمهور قادر على فهم أن العلاقات الدولية لا تُدار بالأمنيات وحدها، بل بتوازن بين المبادئ والمصالح والقدرة على التفاوض.
كما أن صورة الدولة في الخارج تتأثر بما يقوله مجتمعها في الداخل. فالإعلام المحلي، والمثقفون، ورجال الأعمال، والجامعات، والفنون، والجاليات في الخارج، جميعهم يشاركون في صياغة القوة الناعمة. وعندما يكون الخطاب الوطني منفتحاً وواثقاً ويحترم الإنسان، يصبح أكثر قدرة على الإقناع. لا تتكون السمعة الدولية من البيانات الرسمية فقط، بل من الطريقة التي يرى بها العالم حياة الناس ومؤسساتهم وثقافتهم.
وتفرض هذه الحقيقة على المؤسسات الرسمية أن تعيد تعريف الاتصال الخارجي. فالمتحدث الدبلوماسي لم يعد يتوجه إلى الحكومات الأجنبية فقط، بل إلى جماهير متعددة اللغات والثقافات. يحتاج إلى سرعة في التوضيح، ودقة في المعلومة، وقدرة على مخاطبة المشاعر من دون الوقوع في التحريض. كل فراغ معلوماتي يترك فرصة لآخرين كي يملؤوه برواياتهم، ولذلك يصبح الاتصال الجيد جزءاً من حماية الموقف الوطني.
وفي المقابل، يحتاج المجتمع إلى إعلام مسؤول لا يخلط بين النقد وإضعاف الدولة. النقد المهني يسأل عن جدوى القرار وتكلفته وبدائله، ويساعد على تصحيح الأخطاء قبل أن تتوسع. أما التشهير أو نشر المعلومات غير الموثقة في لحظة حساسة فقد يمنح الخصوم مادة مجانية. التوازن المطلوب لا يتحقق بإسكات الأصوات، بل بوجود قواعد مهنية تحترم الحق في المعرفة وتحمي في الوقت نفسه المصالح الوطنية الواضحة.
إن الرأي العام الواعي يمثل قوة وقائية. فالمجتمع الذي يفهم تعقيدات العالم أقل قابلية للاستدراج إلى الكراهية أو الخوف، وأكثر قدرة على تقييم ما يسمع. والاستثمار في التعليم والحوار العام والثقافة القانونية والإعلامية ليس بعيداً عن السياسة الخارجية؛ إنه جزء من بنائها الداخلي. فالدولة التي تريد حضوراً مؤثراً في الخارج تحتاج إلى مواطنين يملكون الثقة والمعرفة، لا إلى جمهور يتلقى الموقف الجاهز من دون سؤال.
وفي النهاية، تكشف العلاقة بين الرأي العام والإعلام والسياسة الخارجية أن الدبلوماسية لم تعد حركة بين العواصم فقط، بل أصبحت حواراً مستمراً بين الدولة ومجتمعها والعالم. وكلما كانت الرسالة صادقة، والمعلومة دقيقة، والنقاش مفتوحاً ومسؤولاً، استطاعت السياسة الخارجية أن تجمع بين حماية المصلحة الوطنية واحترام عقل المواطن. عندئذ يصبح الرأي العام شريكاً في صناعة القرار، ويصبح الإعلام جسراً للمعرفة لا ميداناً للفوضى.
مقالة في العلاقات الدولية