ثورة أيلول… حين تحوّل الجبل إلى ذاكرة شعب!

عطا شميراني

ليست ثورة أيلول مجرد صفحة في كتاب التاريخ، ولا حدثاً عسكرياً انتهى بانتهاء المعارك، ولا اسماً ارتبط بمرحلة سياسية ثم غاب بانتهاء زمنها. ثورة أيلول أكبر من ذلك كله، لأنها كانت واحدة من اللحظات التي خرج فيها الكُرد من مساحة الشكوى إلى مساحة الفعل، ومن انتظار الاعتراف بالوجود إلى الدفاع عن هذا الوجود.

حين بدأت ثورة أيلول عام 1961 لم يكن الكُرد يملكون دولة ولا جيشاً نظامياً ولا مؤسسات سيادية تحمي حقوقهم. كانوا يملكون شيئاً آخر أكثر أهمية: إرادة الإنسان حين يشعر أن هويته وكرامته وحقه في أن يعيش بلغته وثقافته وأرضه ليست منحة من أحد.

ولهذا لم يكن الجبل الكُردي مجرد مسرح للمعارك. كان مدرسة سياسية وأخلاقية وتاريخية. في الجبل تعلّم جيل كامل أن القضية ليست بندقية فحسب، وأن المقاومة ليست حباً للحرب، بل رفضاً لأن يتحول الإنسان إلى كائن بلا اسم ولا لغة ولا ذاكرة.

لقد كانت ثورة أيلول ابنة ظروف عراقية وإقليمية معقدة. تعاقبت الحكومات وتبدلت التحالفات وتغيرت الخطابات السياسية، لكن السؤال الكُردي ظل قائماً: كيف يمكن بناء دولة يتساوى فيها المواطنون، وتحترم فيها خصوصية القوميات، ويصبح التنوع مصدر قوة لا سبباً للصراع؟

وهنا تكمن أهمية أيلول.

فالثورات الكبرى لا تُقاس فقط بما تحققه في لحظة اندلاعها، بل بما تتركه من أثر في وعي الأجيال. وقد تركت ثورة أيلول أثراً عميقاً في الذاكرة الكُردية، لأنها جعلت فكرة الحقوق القومية والاجتماعية والسياسية جزءاً من النقاش العام، ورسخت لدى الكُرد قناعة بأن هويتهم ليست تفصيلاً هامشياً يمكن تجاوزه كلما تغيرت الحكومات.

لكن القراءة الرصينة للتاريخ تقتضي ألا نحول أيلول إلى أسطورة مغلقة لا تقبل النقد، ولا إلى معركة بين الملائكة والشياطين. التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك. كانت هناك أخطاء وحسابات سياسية وتحالفات متبدلة وتناقضات داخلية وضغوط إقليمية ودولية. وكانت هناك أيضاً تضحيات هائلة دفع ثمنها المواطن الكُردي قبل السياسي والمقاتل.

ومن الظلم أن نتحدث عن أيلول من دون أن نتحدث عن الإنسان الذي كان يقف خلف الثورة.

عن الأم التي كانت تنتظر ابنها.

عن الأب الذي حمل أطفاله وغادر قريته.

عن الفلاح الذي ترك أرضه.

عن الطالب الذي انقطع عن دراسته.

عن العائلة التي عاشت سنوات طويلة وهي لا تعرف هل سيكون الغد أكثر أمناً أم أكثر قسوة.

فالثورات لا تُكتب فقط بأسماء القادة. هناك دائماً شعب كامل يحمل العبء الصامت للتاريخ.

ومن هنا فإن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من ثورة أيلول ليس تمجيد الحرب، بل فهم أسبابها. وليس الاحتفال بالمواجهة، بل البحث عن الدولة التي تجعل المواجهة غير ضرورية.

فالإنسان الكُردي الذي حمل السلاح في الجبل كان يريد في النهاية أن يعيش بكرامة في وطنه. وهذه الحقيقة يجب ألا تضيع وسط الضجيج السياسي. لأن الهدف النهائي لأي نضال سياسي ليس استمرار الصراع، وإنما الوصول إلى سلام عادل يحفظ الحقوق ويصون الكرامة.

لقد تغير العراق كثيراً منذ أيلول. تغيرت الأنظمة، وسقطت أنظمة، وظهرت مؤسسات جديدة، وأصبح إقليم كُردستان واقعاً سياسياً ودستورياً داخل العراق. لكن الذاكرة لم تتغير. وما زالت أيلول حاضرة لأنها تمثل مرحلة من مراحل الطريق الطويل الذي قطعه الكُرد نحو تثبيت وجودهم وحقوقهم.

ولذلك فإن الاحتفاء بثورة أيلول لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة لاستعادة الصور القديمة أو ترديد الشعارات. الاحتفاء الحقيقي بها هو أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا بالتضحيات التي قدمها أولئك الذين سبقونا؟ وهل استطعنا أن نبني واقعاً يليق بتلك التضحيات؟

فالشهداء لا يحتاجون منا إلى المزيد من الكلمات بقدر ما يحتاجون إلى وطن يحترم الإنسان.

وأيلول ليست ملكاً لجيل واحد، ولا لحزب واحد، ولا لزعيم واحد. إنها جزء من الذاكرة السياسية والاجتماعية للكُرد، ومن تاريخ شعب عاش طويلاً وهو يبحث عن مكان طبيعي له في خريطة المنطقة.

ربما تغيرت أدوات الصراع، وربما أصبح القلم أكثر أهمية من البندقية، وأصبحت المؤسسات أكثر أهمية من المتاريس، وأصبح الدستور أكثر قدرة على حماية الحقوق من الخنادق. لكن جوهر القضية بقي واحداً: أن يعيش الإنسان آمناً في أرضه، وأن يتحدث بلغته، وأن يحافظ على ثقافته، وأن يكون مواطناً كامل الحقوق لا ضيفاً في وطنه.

ثورة أيلول إذن ليست مجرد ماضٍ نحتفل به، بل درس للمستقبل.

درس يقول إن تجاهل حقوق الشعوب لا يصنع الاستقرار، وإن إنكار الهوية لا يلغيها، وإن الجغرافيا يمكن أن تتغير لكن الذاكرة لا تموت.

ومن بين جبال أيلول بقي صوت واحد يتردد عبر الأجيال:

قد تنتهي المعركة، لكن القضية التي ولدت من الظلم لا تنتهي إلا بالعدالة.

وهكذا بقيت أيلول في الذاكرة الكُردية، لا لأنها كانت أطول الحروب، ولا لأنها كانت أكثرها ضجيجاً، بل لأنها كانت واحدة من اللحظات التي قال فيها شعب كامل إن وجوده ليس قابلاً للمحو، وإن الكرامة ليست ترفاً سياسياً، وإن السلام الحقيقي لا يبدأ بإسكات صوت المظلوم، بل يبدأ بالاعتراف بحقه.

قد يعجبك ايضا