الكُورد… وليس الأكراد

عطا شميراني
الكاتب والباحث السياسي الكوردي

من المحيط إلى الخليج، تتكرر كلمة واحدة كلما تحدث الإعلام العربي عن هذا الشعب؛ كلمة أصبحت مألوفة إلى درجة أن أحداً لم يعد يتوقف عندها أو يسأل نفسه: لماذا نقول «الأكراد»؟ ولماذا لا نقول «الكُورد»؟!!

فالمذيع يقولها في نشرته، والصحفي يكتبها في مقاله، والضيف يكررها في الاستوديو، والباحث يستخدمها في كتابه، والسياسي يرددها في حديثه، حتى أصبحت جزءاً من اللغة اليومية، وكأنها حقيقة لغوية لا تحتاج إلى مراجعة!

لكن الكلمات، مثل الأفكار تماماً، قد تتحول مع الزمن إلى عادات، والعادات، حين تطول، تصبح في نظر الناس حقائق. ولذلك فإن مراجعة كلمة واحدة قد تكون أحياناً أهم من إضافة مئة كلمة جديدة!

المسألة هنا ليست معركة مع اللغة العربية، وليست اعتراضاً على العرب، وليست قضية سياسية بين بغداد وأربيل، وليست محاولة لإعادة كتابة التاريخ من جديد. المسألة أبسط وأعمق في الوقت نفسه؛ إنها مسألة اسم شعب، وكيف يُكتب اسمه عندما نتحدث عنه.

فالكُرد، حين يتحدثون عن أنفسهم، يقولون «الكُرد»، وحين يكتبون بلغاتهم، يستخدمون الاسم الذي يعرفون به أنفسهم. وهذا الاسم ليس وليد لحظة سياسية، ولا شعاراً اخترعته جهة حزبية، ولا مصطلحاً ظهر في السنوات الأخيرة؛ إنه جزء من هوية شعب له لغة وثقافة وتاريخ وذاكرة!

ولذلك، فإن استخدام الاسم كما يعرّف به أصحابه أنفسهم ليس مجاملة، ولا تنازلاً، ولا موقفاً سياسياً، بل هو ببساطة احترام للهوية ودقة في التعبير. لقد أصبح مصطلح ( الأكراد) شائعاً في الإعلام العربي إلى درجة أنه يكاد يكون تلقائياً، وربما لا يقصد معظم من يستخدمه أي إساءة. وهذا أمر يمكن فهمه؛ لأن اللغة الإعلامية تقوم، في كثير من الأحيان، على التكرار، وما يتكرر كل يوم يصبح مألوفاً، وما يصبح مألوفاً يتحول إلى عادة، وما يتحول إلى عادة يصعب على الإنسان أن يسأل عن مصدره أو دقته.

وهكذا انتقلت كلمة « الأكراد » من كونها تعبيراً مستخدماً إلى كونها مصطلحاً يومياً لا يكاد أحد يفكر فيه. لكن شيوع المصطلح لا يعني أنه لا يمكن مراجعته؛ فاللغة تتغير باستمرار، والمصطلحات تتطور، والأسماء نفسها تتغير عندما تتغير طريقة الشعوب في تعريف نفسها.

الإعلام تحديداً يتحمل مسؤولية أكبر من غيره؛ لأن الكلمة التي يقولها المذيع أمام ملايين الناس لا تبقى مجرد كلمة، والكلمة التي يكتبها الصحفي في عنوان كبير لا تختفي بانتهاء الخبر، بل تدخل إلى الذاكرة العامة وتصبح جزءاً من الطريقة التي يرى بها الناس العالم!

ولذلك، فإن الإعلام لا ينقل اللغة فقط، بل يصنعها أيضاً. وما دام الإعلام العربي قد استطاع أن يجعل مصطلح «الأكراد» مصطلحاً يومياً متداولاً، فإنه يستطيع بالسهولة نفسها أن يجعل «الكُرد» هي الصيغة الأكثر حضوراً ودقة عندما يتحدث عن هذا الشعب. ولا يحتاج الأمر إلى خصومة، ولا إلى اتهام، ولا إلى تفسير كل استخدام للمصطلح على أنه موقف عدائي؛ فالكثير من الكلمات تستمر فقط لأن الناس اعتادوا عليها.

لكن الكاتب الحقيقي لا يعيش أسيراً للعادة، والصحفي الحقيقي لا يكرر كل ما ورثه عن الذين سبقوه، والمثقف الحقيقي يعرف أن مراجعة المصطلح ليست ضعفاً، بل قوة؛ وأن الاعتراف بأن كلمة ما تحتاج إلى تصحيح لا يعني الاعتراف بخطأ تاريخي كبير، بل يعني أن اللغة نفسها ما زالت حية وقادرة على التطور.

تخيلوا للحظة أن اسماً يخص شعباً بأكمله ظل يتكرر لعشرات السنين بصيغة مختلفة عن الصيغة التي يستخدمها ذلك الشعب في تعريف نفسه، ثم جاء أحدهم وقال ببساطة: لماذا لا نستخدم الاسم الذي يستخدمونه هم؟! ربما يبدو السؤال صغيراً، لكنه في الحقيقة سؤال كبير؛ لأنه يتعلق بأبسط قاعدة في العلاقة بين البشر، وهي أن تترك للآخر حق تعريف نفسه.

الكُرد لا يحتاجون إلى أن يثبتوا وجودهم من خلال كلمة، ولا يحتاجون إلى معركة لغوية لإثبات تاريخهم. فالتاريخ أطول من المصطلحات، والجغرافيا أوسع من الكلمات، والهوية لا تسقط لأنها كُتبت بطريقة مختلفة. لكن اللغة تظل مرآة لما نريد أن نقوله عن الآخرين، وعندما تكون المرآة غير دقيقة، فمن الطبيعي أن نحاول تصحيحها.

لهذا، فإن المسألة ليست أن نقول إن العرب أخطأوا والكُرد على حق، وليست منافسة بين هويتين، وليست محاولة لوضع اللغة العربية في مواجهة اللغة الكُردية؛ وإنما هي دعوة إلى شيء بسيط جداً: أن تكون اللغة أكثر دقة، وأن يكون الإعلام أكثر انتباهاً إلى الأسماء التي يستخدمها عندما يتحدث عن الشعوب!

لقد تغيرت مصطلحات كثيرة في العالم؛ لأن الناس اكتشفوا أن بعض الكلمات التي كانت شائعة لم تعد مناسبة، وبعض التسميات التي كانت طبيعية في زمن معين أصبحت اليوم تحتاج إلى مراجعة. وهذا جزء طبيعي من تطور اللغة وتطور الوعي.

ولذلك، فإن تغيير مصطلح إعلامي ليس حدثاً خطيراً، ولا تنازلاً سياسياً، وإنما يمكن أن يكون علامة على أن الإعلام يراجع نفسه ويستمع إلى أصحاب الأسماء التي يستخدمها.

ومن المحيط إلى الخليج، يمكن أن تبدأ الحكاية من مكان بسيط جداً: من عنوان صحيفة، ومن جملة يقولها مذيع، ومن مقال يكتبه صحفي، ومن كتاب يضعه باحث على رف مكتبته. ثم تتكرر الكلمة الجديدة حتى تصبح مألوفة، ويصبح التصحيح عادة جديدة بدلاً من العادة القديمة.

وفي النهاية، لا تحتاج الحكاية إلى أكثر من كلمتين:

الكُورد، وليس الأكراد.

فأحياناً لا تحتاج الهوية إلى خطاب طويل كي تُحترم؛ بل تحتاج فقط إلى أن يُكتب اسمها كما تعرف نفسها.

قد يعجبك ايضا