د. نوري جاسم
تخيّل أن رجلًا جلس وحده، غاضبًا من شخص آخر، وبدأ يفكر في قتله. تخيل الجريمة في ذهنه، ورسم تفاصيلها، واختار المكان والوقت والوسيلة، ثم نام واستيقظ في اليوم التالي وقد تراجع عن كل ما فكر فيه. السؤال هنا يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة يفتح بابًا واسعًا أمام القانون والفلسفة معًا:
هل يمكن أن يكون هذا الإنسان مجرمًا، رغم أنه لم يقتل أحدًا؟
الإجابة القانونية تقودنا إلى واحدة من أكثر المناطق دقة في القانون الجنائي: الحد الفاصل بين ما يدور داخل عقل الإنسان، وما يتحول إلى سلوك يمكن للقانون أن يتدخل بشأنه. فالقانون لا يستطيع أن يحاكم الإنسان على مجرد فكرة تدور في ذهنه؛ وإلا أصبح كل إنسان معرضًا للمساءلة عن أفكاره ومخاوفه وتصوراته ورغباته.
وهذا أمر بالغ الخطورة؛ لأن العدالة الجنائية لا ينبغي أن تتحول إلى محكمة للأفكار. من الفكرة إلى العزم قد يفكر الإنسان في ارتكاب جريمة، ثم يعزم عليها، ثم يبدأ في إعداد الوسائل اللازمة لتنفيذها.
ولكن هل تكفي هذه المراحل وحدها لاعتباره مجرمًا؟ هنا يأتي موقف المشرع العراقي واضحًا في قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل. فالمادة 30 تميز بين مجرد العزم والأعمال التحضيرية وبين البدء في تنفيذ الجريمة، وتنص على أن الشروع يتحقق عند البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة، إذا توقف التنفيذ أو خابت النتيجة لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها، كما تقرر صراحة أن مجرد العزم والأعمال التحضيرية لا يعدان شروعًا، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.
وهنا تظهر فلسفة قانونية مهمة:
ليس كل ما يسبق الجريمة جريمة.
فشراء أداة، أو التفكير في طريقة، أو رسم خطة في الذهن، لا يعني بالضرورة أن الشخص دخل في مرحلة الشروع. ولكن ماذا لو بدأ التنفيذ؟ هنا تتغير الصورة.
فلنفترض أن الشخص نفسه لم يكتفِ بالتفكير، بل انتقل إلى تنفيذ ما خطط له، وبدأ فعلًا في ارتكاب الجريمة، ثم فشل في إتمامها بسبب تدخل شخص آخر أو سبب خارج عن إرادته. هنا لم نعد أمام مجرد فكرة أو نية. لقد انتقلت الإرادة من العالم الداخلي إلى العالم الخارجي.
وهذه هي النقطة التي يبدأ عندها القانون في الاقتراب من الفعل الإجرامي. فالشارع لا يعاقب الإنسان لأنه تخيل الجريمة، وإنما يتدخل عندما يصل السلوك إلى المرحلة التي حددها القانون باعتبارها شروعًا في ارتكاب الجريمة. المفارقة القانونية
الأكثر إثارة أن شخصين قد تكون لديهما النية نفسها، ويختلف مركزهما القانوني تمامًا. الأول فكر في الجريمة، ثم تراجع. والثاني بدأ تنفيذها، لكنها لم تكتمل. الأول لا يعاقب لمجرد ما دار في ذهنه أو لمجرد عزمه وأعماله التحضيرية، بينما قد يتحمل الثاني المسؤولية عن الشروع متى توافرت شروطه القانونية. إذن، الفاصل بينهما ليس بالضرورة اختلاف النية، وإنما انتقال النية إلى سلوك تنفيذي وفقًا لما حدده القانون. وهذه المسافة القصيرة بين «أريد أن أفعل» و«بدأت أفعل» قد تكون، في نظر القانون، فاصلة بين مرحلتين مختلفتين تمامًا. هل القانون ينتظر وقوع الجريمة؟ قد يطرح البعض سؤالًا أكثر صعوبة: إذا كان الهدف من القانون هو حماية المجتمع، فلماذا لا يتدخل منذ اللحظة التي يتأكد فيها أن شخصًا قرر ارتكاب جريمة؟ الجواب يرتبط بمبدأ بالغ الأهمية في العدالة الجنائية: لا يجوز أن تتحول مجرد النوايا أو الأفكار إلى أساس للعقوبة، لأن الإنسان لا يفقد حريته الفكرية لمجرد أنه فكر في فعل محظور.
وفي المقابل، فإن القانون لا يقف عاجزًا أمام السلوك الإجرامي عندما يتحول إلى فعل خارجي يدخل في نطاق التجريمومن هنا تأتي المعادلة الصعبة: كيف نحمي المجتمع من الجريمة دون أن نعاقب الإنسان على مجرد أفكاره؟ إنها واحدة من أصعب الموازنات التي تواجه القانون الجنائي. وهل يمكن أن تكون الجريمة «مستحيلة»؟
يزداد الموضوع غرابة عندما نصل إلى حالة يعتقد فيها الشخص أنه يستطيع ارتكاب الجريمة، لكنه في الحقيقة لا يستطيع تحقيق نتيجتها بسبب موضوع الجريمة أو الوسيلة المستخدمة. وقد تناول المشرع العراقي هذه الصورة أيضًا ضمن المادة 30، إذ اعتبر بعض صور الجريمة المستحيلة شروعًا، وفق الشروط التي حددها النص.
وهنا نصل إلى سؤال يبدو للوهلة الأولى غريبًا: هل يمكن أن يعاقب القانون على جريمة يستحيل وقوعها؟ الجواب قد يكون نعم في نطاق الشروع الذي حدده القانون، لأن محل النظر لا يكون فقط في النتيجة النهائية، وإنما أيضًا في السلوك الإرادي الذي اتجه إلى ارتكاب جريمة وتجاوز مرحلة التفكير والتحضير إلى التنفيذ.
وهذا يكشف لنا أن القانون الجنائي لا ينظر إلى النتيجة وحدها، بل ينظر كذلك إلى السلوك والقصد والمرحلة التي بلغها التنفيذ.
عندما يدخل الآخرون في المشهد
ولا تتوقف المسألة عند الفاعل الذي يبدأ التنفيذ بنفسه. فقد يكون هناك شخص آخر حرّض على الجريمة، أو اتفق مع غيره على ارتكابها، أو قدم وسيلة أو مساعدة مع علمه بالجريمة. وقد نظم قانون العقوبات العراقي صور المساهمة في الجريمة، ومنها التحريض والاتفاق وتقديم الوسائل أو المساعدة، وفق الأحكام المقررة قانونًا. وهنا تظهر لنا صورة أكثر تعقيدًا: قد لا يضع الشخص يده على السلاح، لكنه قد يدخل في دائرة المسؤولية الجنائية بسبب دوره في الجريمة. وهذا يؤكد مرة أخرى أن القانون لا يقيس المسؤولية فقط بالسؤال: «من نفذ الفعل؟»، وإنما يبحث أيضًا في دور كل شخص وإرادته وصلته بالفعل الجرمي. القانون لا يحاكم الأفكار
ربما تكون أجمل قاعدة يمكن استخلاصها من هذه المسألة أن:
القانون لا يحاكم الإنسان لأنه فكر، وإنما يحاسبه عندما يتحول السلوك إلى فعل يدخل في دائرة التجريم التي رسمها القانون. وهذا ليس تساهلًا مع الجريمة، وإنما حماية لحدود العدالة نفسها. فالإنسان الذي يفكر في ارتكاب جريمة ثم يتراجع ليس كمن يقرر تنفيذها ويبدأ فعلًا في التنفيذ. والذي يبدأ التنفيذ ثم يفشل ليسكمن لم يتجاوز مرحلة التفكير. والذي يرتكب الجريمة كاملة ليس كليهما. وبين هذه المراحل، يرسم القانون خطوطًا دقيقة حتى لا تختلط الفكرة بالفعل، والنية بالسلوك، والتحضير بالتنفيذ، والشروع بالجريمة التامة.
بين حماية المجتمع وحماية الإنسان
إن خطورة المسألة تكمن في أن التوسع في تجريم النوايا قد يجعل القانون يتدخل في منطقة شديدة الخصوصية: عقل الإنسان. وفي المقابل، فإن عدم التدخل عندما يتحول القصد الإجرامي إلى سلوك تنفيذي قد يعرّض المجتمع للخطر.
لذلك يقف القانون في منطقة وسطى دقيقة: يحمي المجتمع، ولكنه في الوقت نفسه يحمي الإنسان من أن يصبح مجرد التفكير سببًا للعقاب. وهنا تكمن قيمة القانون الحقيقي؛ فهو لا يكتفي بالرغبة في مكافحة الجريمة، وإنما يضع حدودًا للتجريم والعقاب حتى لا تتحول مكافحة الجريمة نفسها إلى مصدر للظلم. وفي النهاية، قد تبدأ الجريمة في عقل الإنسان، لكنها لا تصبح بالضرورة جريمة في نظر القانون بمجرد أن تبدأ في عقله.
فقد يفكر الإنسان، ويخطط، ويعزم، ثم يتراجع. وقد يتجاوز ذلك كله ويبدأ التنفيذ، فتتغير صفته القانونية. وقد يصل إلى النهاية فتكتمل الجريمة. وبين هذه المراحل يقف القانون، لا ليقرأ ما في الصدور، وإنما ليبحث عما ظهر إلى العالم الخارجي من سلوك وإرادة وقصد وتنفيذ. وربما تختصر هذه المسألة كلها في سؤال واحد:
هل يعاقب القانون الإنسان على ما أراد أن يفعله، أم على ما فعله؟
والإجابة ليست دائمًا واحدة؛ لأن القانون يعرف منطقة دقيقة بين الاثنين، اسمها: الشروع. وهنا تكمن المفارقة: قد لا تقع الجريمة… ومع ذلك قد تقع المسؤولية الجنائية. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..