✍️: أسعد الجوراني
لم تعد كتابة الكتاب ونشره في عصر الطباعة الرقمية والنشر عند الطلب عملية شاقة كما كانت في الأزمنة السابقة. بضغطة زر، وبإمكانات مالية محدودة، يستطيع الكاتب أن يحول مخطوطته إلى كتاب مطبوع، وأن يضع اسمه على الغلاف، وأن يعرضه في الأسواق والمنصات الرقمية ومعارض الكتاب.
وهذا التحول في ذاته ليس مشكلة؛ بل هو أحد وجوه التحول الديمقراطي في صناعة المعرفة. فقد أسهم انخفاض تكاليف النشر وانتشار التقنيات الرقمية في منح أصوات كثيرة فرصة لم تكن متاحة لها في السابق. ولم يعد الوصول إلى القارئ حكراً على المؤسسات الثقافية الكبرى أو الجامعات أو دور النشر ذات الإمكانات الضخمة.
لكن الديمقراطية في إتاحة النشر لا تعني بالضرورة الديمقراطية في إنتاج المعرفة.
وهنا تبدأ المشكلة.
فأن يمتلك الإنسان الحق في أن يكتب وينشر، شيء؛ وأن يقدم ما كتبه بوصفه بحثاً علمياً أو مرجعاً معرفياً موثوقاً، شيء آخر تماماً.
من احتكار النشر إلى انفلات المعايير
من الخطأ النظر إلى تاريخ الكتاب وكأنه كان دائماً محكوماً بمؤسسات علمية صارمة تراجع كل ما يُطبع. فهذه صورة مثالية لا يثبتها التاريخ.
حتى المراجعة العلمية نفسها لم تظهر دفعة واحدة في صورتها الحديثة. فقد شهد القرن السابع عشر بدايات مهمة للتقييم التحريري والعلمي مع ظهور الدوريات العلمية، ومن أبرزها Philosophical Transactions التي أطلقها هنري أولدنبرغ عام 1665. إلا أن المراجعة العلمية آنذاك لم تكن النظام المؤسسي المنتظم الذي نعرفه اليوم؛ بل تطورت تدريجياً، وأصبحت إجراءات التحكيم أكثر انتظاماً خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بينما ترسخ مفهوم المراجعة بوصفها أداة لضبط الجودة العلمية في العصر الحديث.
لذلك فالمشكلة ليست أن التكنولوجيا «هدمت نظاماً مثالياً» كان قائماً منذ اختراع الطباعة، وإنما أن التكنولوجيا الحديثة وسعت دائرة النشر بسرعة أكبر من تطور آليات التمييز بين أنواع المنشورات ومستويات جودتها.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي.
لقد أصبح النشر أكثر ديمقراطية، لكن المعرفة لم تصبح بالضرورة أكثر موثوقية.
حين يصبح المؤلف زبوناً
توجد نماذج مشروعة ومتنوعة في صناعة النشر، ومنها النشر التجاري التقليدي، والنشر الأكاديمي، والنشر الذاتي، والنشر المدفوع من المؤلف.
ولا مشكلة في أن يدفع المؤلف مقابل خدمات مهنية مثل التصميم والطباعة والإخراج والتوزيع، ما دامت العلاقة واضحة.
المشكلة تبدأ عندما يُدفع المال بوصفه بديلاً عن التقييم.
عندما تصبح قيمة المشروع بالنسبة إلى الناشر مرتبطة أساساً بقدرة المؤلف على دفع تكاليفه، يصبح الكتاب سلعة مضمونة البيع قبل أن يصبح عملاً خضع لتقييم حقيقي.
وهنا يتغير موقع المؤلف داخل العملية.
فبدلاً من أن يكون السؤال:
هل هذا الكتاب يستحق النشر؟
قد يصبح السؤال:
هل يستطيع صاحبه دفع تكاليف النشر؟
وهذا تحول خطير عندما يتعلق الأمر بالكتب التي تقدم نفسها بوصفها أعمالاً علمية أو فكرية أو تاريخية أو معرفية.
فالناشر الذي يبيع خدمة الطباعة لا يمارس بالضرورة الدور نفسه الذي يمارسه ناشر أكاديمي يتولى تحرير العمل وتقييمه وتحكيمه.
ومن هنا يجب أن نفرق بوضوح بين الطباعة والنشر.
فالكتاب المطبوع ليس بالضرورة كتاباً محرراً، والكتاب المنشور ليس بالضرورة كتاباً محكماً، ووجود اسم دار نشر على الغلاف لا يعني أن محتواه اجتاز تقييماً علمياً.
الرقم الدولي ليس شهادة علمية
ومن أكثر مظاهر الالتباس شيوعاً الخلط بين وجود الرقم الدولي المعياري للكتاب ISBN وبين الاعتراف بجودة الكتاب.
الـISBN هو نظام لتعريف العنوان أو المنتج الكتابي والناشر في منظومة النشر والتوزيع، وليس شهادة على صحة المحتوى أو قيمته العلمية.
وهذه نقطة ينبغي أن يعرفها القارئ بوضوح.
فالكتاب قد يحمل ISBN ويكون ضعيفاً علمياً، وقد يكون محكماً ومتميزاً دون أن يكون الرقم الدولي هو الذي منحَه قيمته.
القيمة المعرفية لا تأتي من الرقم الموجود على الغلاف، وإنما من المحتوى والمنهج والمصادر والمراجعة والتوثيق وقوة الحجة.
ليس كل كتاب بحاجة إلى التحكيم الأكاديمي
لكن من الضروري أيضاً ألا ننزلق إلى الطرف الآخر.
ليس من المنطقي أن نطالب كل كتاب بالمرور بالإجراءات الأكاديمية نفسها.
الرواية ليست بحثاً علمياً.
والشعر ليس أطروحة جامعية.
والمذكرات الشخصية ليست دراسة تجريبية.
والكتاب الفلسفي قد يكون عملاً تأملياً، أو بحثاً متخصصاً، أو مشروعاً نظرياً يحتاج إلى تقييم من نوع مختلف.
لذلك فالمعيار العادل ليس فرض نموذج واحد على جميع الكتب، وإنما تحديد طبيعة الكتاب بوضوح، ثم تطبيق معايير تتناسب مع طبيعته.
إذا كان الكتاب بحثاً علمياً، فالمراجعة العلمية والتوثيق والمنهجية عناصر أساسية.
وإذا كان كتاباً تاريخياً، فإن التعامل مع المصادر ونقدها والتحقق من الإحالات أمر جوهري.
وإذا كان كتاباً فكرياً أو فلسفياً، فإن الاتساق المنطقي، وضبط المفاهيم، والقدرة على بناء الحجج ومناقشة الاعتراضات تصبح معايير أساسية.
أما كتاب الرأي أو التجربة الشخصية، فمن حق صاحبه أن ينشره، لكن ليس من حقه أن يحوله بمجرد وضع عنوان أكاديمي على الغلاف إلى «حقيقة علمية».
الخطر الحقيقي ليس في كثرة الكتب
ليست كثرة الكتب مشكلة في حد ذاتها.
بل ربما تكون كثرة الأصوات أفضل من احتكار المعرفة.
المشكلة هي أن كثرة الإنتاج من دون أدوات تمييز قد تجعل القارئ عاجزاً عن معرفة الفرق بين المعرفة والرأي، وبين البحث والانطباع، وبين التأليف والتجميع، وبين النقد العلمي والدعاية الشخصية.
وهنا تظهر مسؤولية الثقافة الحديثة.
فالخطر ليس أن يكتب شخص كتاباً ضعيفاً.
الإنسان حر في أن يكتب ما يشاء ما دام لا ينتهك حقوق الآخرين أو يرتكب جريمة.
الخطر أن يُقدَّم الكتاب الضعيف للقارئ على أنه كتاب علمي رصين، وأن تُستخدم واجهة النشر لإنتاج سلطة معرفية لا يستحقها المحتوى.
وهذا يحدث عندما تصبح مظاهر الكتاب أهم من جوهره:
غلاف فاخر.
عنوان صادم.
سيرة ذاتية مبالغ فيها.
ألقاب غير موثقة.
قائمة مراجع طويلة لا تُستخدم فعلياً.
واقتباسات كثيرة لا تؤدي وظيفة استدلالية.
ثم يُطلب من القارئ أن يتعامل مع كل ذلك باعتباره دليلاً على القيمة.
لكن الكتاب لا يصبح علمياً بكثرة المراجع، كما لا يصبح عميقاً بكثرة الصفحات.
من سلطة الناشر إلى سلطة القارئ الواعي
الحل ليس إنشاء جهاز رقابة جديد.
فالرقابة المسبقة على الأفكار يمكن أن تتحول بسهولة إلى أداة لقمع الاختلاف، خصوصاً عندما تتدخل السلطة السياسية أو الدينية أو الأيديولوجية في تحديد ما يجوز نشره وما لا يجوز.
لكن البديل عن الرقابة ليس الفوضى.
البديل هو الشفافية.
يجب أن يعرف القارئ طبيعة الكتاب الذي بين يديه:
هل هو كتاب رأي؟
هل هو تجربة شخصية؟
هل هو كتاب أكاديمي؟
هل خضع لتحكيم علمي؟
هل راجعه متخصصون؟
هل قامت دار النشر بتحريره علمياً أم تولت طباعته فقط؟
هل مصادره موثقة؟
هل اقتباساته قابلة للتحقق؟
هل المؤلف متخصص في الموضوع الذي يتحدث فيه، أم يقدم رأياً خارج مجال اختصاصه؟
هذه المعلومات لا تصادر حرية الكاتب، وإنما تمنح القارئ القدرة على اتخاذ قرار واعٍ.
المطلوب شفافية لا وصاية
يمكن لصناعة النشر أن تتقدم من خلال نظام واضح للشفافية المهنية.
ليس المطلوب وضع «ختم حكومي» على الكتب، ولا إنشاء سلطة تحدد من يحق له أن يؤلف ومن لا يحق له.
المطلوب أن تكون هناك بيانات واضحة حول طبيعة عملية النشر والمراجعة.
فيمكن، مثلاً، التمييز بوضوح بين:
كتاب محكّم علمياً.
كتاب خضع لمراجعة علمية متخصصة.
كتاب خضع للتحرير اللغوي فقط.
كتاب رأي أو تجربة شخصية.
كتاب منشور ذاتياً.
وهذا التصنيف لا يمنح كتاباً حق الوجود ويحرم آخر منه؛ وإنما يمنح القارئ معلومة عن مستوى التحقق الذي خضع له العمل.
وهذه نقطة جوهرية:
حرية النشر شيء، وشهادة الجودة شيء آخر.
مسؤولية الصحافة الثقافية
لا تستطيع دور النشر وحدها معالجة المشكلة.
فالصحافة الثقافية والنقاد والجامعات والباحثون والقراء جميعاً يشكلون منظومة الفرز الثقافي.
النقد الحقيقي لا يعني مهاجمة المؤلف شخصياً، ولا تحويل الاختلاف الفكري إلى تصفية حسابات.
بل يعني فحص العمل:
ما حجته؟
ما مصادره؟
هل استنتاجاته تتبع مقدماته؟
هل يستخدم المفاهيم بدقة؟
هل ينقل آراء الآخرين بأمانة؟
هل يفرق بين الحقيقة والرأي؟
هل يعترف بحدود معرفته؟
وهل يستطيع الدفاع عن أطروحته أمام الاعتراضات؟
إن الكتاب الرديء لا ينبغي أن يُمنع بالضرورة؛ بل ينبغي أن يُنقد.
والكتاب المسروق لا ينبغي أن يُسكت عنه؛ بل ينبغي كشف سرقته بالأدلة.
والكتاب الذي يقدم ادعاءات علمية بلا دليل ينبغي تفكيك ادعاءاته، لا تحويل صاحبه إلى ضحية لرقابة ثقافية.
بهذا يتحول النقد من أداة للإقصاء إلى أداة لحماية المجال المعرفي.
القارئ هو خط الدفاع الأخير
في النهاية، لا يستطيع أي نظام نشر أن يحمي القارئ من كل كتاب ضعيف.
ولا يستطيع أي محكّم أن يمنح المعرفة شهادة عصمة.
حتى التحكيم الأكاديمي نفسه ليس معصوماً من الخطأ، وقد تخطئ المؤسسات والناشرون والمراجعون كما يخطئ المؤلفون.
ولهذا فإن الحل الأعمق ليس بناء منظومة تجعل القارئ تابعاً لختم المؤسسة، وإنما بناء قارئ قادر على مساءلة الختم نفسه.
القارئ الناضج لا يسأل فقط:
من نشر الكتاب؟
بل يسأل:
ما الدليل؟
من أين جاءت هذه المعلومة؟
كيف بُني هذا الاستنتاج؟
هل توجد مصادر مستقلة؟
هل هناك تفسير منافس؟
هل يستطيع الكاتب الدفاع عن أطروحته؟
وهنا ننتقل من ثقافة الثقة بالأسماء إلى ثقافة فحص الأدلة.
الكتاب بين السوق والمعرفة
ليس من العيب أن يكون الكتاب سلعة.
فالمؤلف يحتاج إلى أن يعيش من عمله، والناشر مؤسسة تحتاج إلى الاستمرار، والطباعة والتوزيع والتسويق كلها صناعة لها تكاليفها.
لكن المشكلة تظهر عندما تصبح القيمة التجارية بديلاً عن القيمة المعرفية.
السوق يستطيع أن يخبرنا بما يبيع، لكنه لا يستطيع وحده أن يخبرنا بما هو صحيح.
وقد ينجح كتاب رديء في المبيعات، وقد يفشل كتاب عظيم في الوصول إلى الجمهور.
لذلك لا ينبغي أن نطلب من السوق أن يكون أكاديمية، ولا من الأكاديمية أن تكون سوقاً.
لكل منهما وظيفته.
السوق يوزع.
والناشر يحرر وينتج ويسوق.
والجامعة تحكّم وتبحث.
والناقد يفحص ويناقش.
والقارئ يختار ويحكم.
وعندما تختلط هذه الأدوار، يبدأ الالتباس.
ليست المشكلة أن يكتب الجميع، بل ألا نعرف ماذا نقرأ
لقد منحت التكنولوجيا الإنسان امتيازاً تاريخياً: أصبح بإمكان عدد غير مسبوق من الناس أن يكتبوا وينشروا ويصلوا إلى الجمهور.
وهذه مكسب حضاري ينبغي الدفاع عنه، لا محاربته.
لكن كل توسع في حرية التعبير يحتاج إلى توسع موازٍ في القدرة على التمييز.
فإذا أصبح كل منشور كتاباً، وكل مؤلف خبيراً، وكل رأي حقيقة، وكل رقم دولي شهادة جودة، وكل دار نشر مؤسسة علمية، فإننا لا نكون قد ديمقْرَطنا المعرفة، وإنما خلطنا بين حرية التعبير وسلطة الحقيقة.
وهنا تكمن مسؤوليتنا الثقافية.
لا نحتاج إلى رقيب يمنع الكتاب.
نحتاج إلى ناقد يفحصه، وناشر يوضح طبيعة عمله، ومؤلف يتحمل مسؤولية ما يكتب، ومؤسسة علمية تمارس التحكيم حين يكون التحكيم مطلوباً، وقارئ لا يسلم عقله للغلاف ولا للعنوان ولا لاسم الناشر.
فالكتاب لا ترفعه الطباعة إلى مرتبة المعرفة، ولا يمنحه الغلاف سلطة الحقيقة.
ما يمنح الكتاب قيمته هو ما يستطيع أن يصمد به أمام السؤال، والدليل، والنقد، والاعتراض.
وفي عصر أصبح فيه النشر متاحاً للجميع، لم تعد المشكلة الكبرى هي: من يستطيع أن ينشر؟
بل أصبحت:
من يستطيع أن يميز بين ما نُشر وما يستحق أن يُصدَّق؟
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية من أجل ثقافة لا تخاف حرية الكلمة، ولا تستسلم لفوضى الكلمة.