السؤال الأخطر…ماذا سيخسر العراق إذا ضعفت إيران؟

انس الشيخ مظهر

يتصور كثيرون أن تراجع النفوذ الإيراني في العراق خبر سار بشكل عام كونه طريق العراق نحو استعادة سيادته واستقلال قراره. لكن هذا التصور يصطدم بالسؤال التالي :-

“من الذي كان يضبط إيقاع الصراع العراقي الداخلي طوال عقدين، وماذا يحدث لهذا الإيقاع في لحظة غياب الضابط؟”

فطهران لم تكن مجرد طرف خارجي يفرض أجندته من بعيد، بل تحولت مع الوقت إلى ما يشبه غرفة عمليات دائمة لإدارة التوازنات الداخلية، تمنع الانفجار الكامل بين القوى المتنافسة أكثر مما تصنع تحالفاً متجانساً بينها.

أول هذه التوازنات المهددة هو ما يمكن تسميته البيت الشيعي، وهو ليس كتلة متجانسة كما يُصوَّر إعلامياً، بل شبكة معقدة من الأحزاب والفصائل ومراكز النفوذ المتنافسة على الوزارات والمناصب السيادية والنفوذ داخل الدولة , حاولت طهران لسنوات ضبط ايقاعها في لحظات الانسداد السياسي، وفرض تسويات قد لا ترضي جميعها لكنها تمنع الانفجار. ففي أزمة تشكيل الحكومة عام 2022، حين تعطل البرلمان لأشهر طويلة بين التيار الصدري وقوى الإطار التنسيقي، أظهرت كيف يمكن لغياب مثل هذه الوساطة ” ولو جزئياً” أن يشل الدولة بأكملها… وعليه فان ضعف هذا الدور كلياً في المرحلة المقبلة، ، سيتسبب في منافسة مباشرة ومكشوفة على من يملك القرار الأخير، دون وجود طرف قادر على فرض خط أحمر يوقف التصعيد قبل أن يتحول إلى صدام مسلح داخل المكون نفسه.

الملف الثاني… هو استقلالية المربعات الأمنية للفصائل المسلحة، إذ يحتفظ كل فصيل بجهازه الاستخباراتي وشبكة معلوماته الخاصة، التي نادراً ما تُشارك بالكامل مع الأجهزة الرسمية أو حتى مع الفصائل الحليفة. هذا التشرذم الأمني كان يُدار سابقاً عبر قنوات تنسيق غير معلنة تشرف عليها طهران، لضمان ألا يتحول الاحتكاك الميداني بين هذه المربعات إلى اشتباك مباشر. لذلك فان ضعف هذا التنسيق الخارجي لا يعني ان الدولة العراقية ستملأ تلقائيا هذا الفراغ ، بل يعني أن كل مربع سيتصرف بمنطق حماية مصالحه بمعزل عن الآخرين، وهو ما يحول ملف السلاح المنفلت من أداة ردع جماعي إلى أداة فردية لفرض الأمر الواقع، سواء في ملفات المنافذ الحدودية أو السيطرة على أحياء بعينها في المدن الكبرى.

أما الملف الثالث… فهو تحول طبيعة الفساد نفسه، لا اختفاؤه. فالمركز الذي كان يوزع الحصص والنفوذ بالتراضي بين الأطراف لن يترك خلفه نظافة إدارية، بل سينقل الفساد من صيغته المُدارة، حيث تُقسَّم المنافذ الحدودية والوزارات والعقود بتفاهم مسبق يمنع الاقتتال العلني، إلى صيغة عشوائية ومتصارع عليها بلا حَكَم، تشتد فيها المعارك على كل موقع مالي بلا سقف يضبط حدة التنافس، وهو ما قد يترجم مباشرة إلى تعطل الخدمات وتأخر المشاريع في لحظة يحتاج فيها العراق إلى استقرار إداري لا إلى فوضى تنافسية جديدة.

الملف الرابع “يتعلق بالملف الثالث”…. وهو تحول الفصائل المسلحة تدريجياً إلى ما يشبه كيانات اقتصادية موازية للدولة. فحين يتراجع التمويل أو التوجيه الخارجي، لن تذوب هذه التشكيلات تلقائياً، بل ستزداد اعتماداً على مواردها الذاتية ” فرض إتاوات على المقاولين والتجار، احتكار مشاريع عقارية وتجارية بعينها، والسيطرة على منافذ حدودية بوصفها مصدر دخل لا مجرد موقع استراتيجي”. هذا التحول يجعل نزع السلاح أو حل هذه التشكيلات أصعب بكثير مما هو متصور، لأن المعركة عندها لن تكون عقائدية أو سياسية فحسب، بل معركة على مصدر رزق فعلي لآلاف العناصر وعائلاتهم.

الملف الخامس …يخص إعادة تشكيل الخريطة السياسية للمكون السنّي، الذي اعتاد لسنوات على قواعد لعبة رسمتها إلى حد كبير التفاهمات الإقليمية الكبرى، بما فيها التفاهم غير المباشر مع طهران حول من يمثل هذا المكون في بغداد. ضعف هذه التفاهمات يفتح الباب أمام تنافس حاد بين الزعامات التقليدية والقوى الصاعدة على تمثيل المحافظات السنية ونفوذها داخل السلطة الاتحادية، وهو تنافس قد يعيد إنتاج انقسامات ما بعد 2003 نفسها إذا لم تحكمه قواعد داخلية جديدة بدل القواعد التي كانت تُفرض من الخارج.

الملف السادس… وربما هو الملف الاخطر , فضعف الأدوات السياسية والعسكرية المكلفة لإيران لا يعني اختفاء نفوذها، بل انتقاله إلى صيغة أكثر نعومة وتخفياً عبر التجارة والحدود والمصالح الاقتصادية المحلية المتجذرة أصلاً في محافظات الوسط والجنوب. وهذا النوع من النفوذ أصعب بكثير في الرصد والمواجهة، لأنه لا يحتاج إلى موقف سياسي معلن أو تحالف برلماني ليمارس تأثيره، بل يتغلغل عبر شبكات تجارية ومصرفية وعقارية يصعب فصلها عن الاقتصاد المحلي نفسه، بمعنى أن إيران الأضعف سياسياً قد تكون أكثر تجذراً اقتصادياً من إيران القوية سياسياً.

الملف السابع…وهو تهديد التوازن الجيوسياسي لإقليم كوردستان تحديداً. فالإقليم يمتلك اليوم شبكة علاقات خارجية متنوعة تمنحه هامش مناورة أوسع من بقية مكونات الدولة العراقية، وهذا التنوع نفسه يُعد أصلاً استراتيجياً يخدم العراق ككل، لا الإقليم وحده، لأنه يوسّع خيارات بغداد في أي أزمة. أي إضعاف لهذه العلاقات المتشعبة، سواء كنتيجة مباشرة لإعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية أو كأثر جانبي لها، سيقلص هامش المناورة المتاح للدولة العراقية بأكملها، ويجعلها أكثر انكشافاً في أي مواجهة مقبلة.

إلى جانب هذه الملفات السبعة، هناك زوايا داخلية أخرى غالباً ما تغيب عن النقاش العام رغم أنها الأكثر التصاقاً بحياة العراقيين اليومية.

أولى هذه الزوايا..هي الاعتماد الاقتصادي المباشر الذي بناه العراق على إيران، من الغاز الذي يغذي جزءاً كبيراً من محطات التوليد الكهربائي، إلى السلع الزراعية والاستهلاكية التي تغرق الأسواق العراقية وتُبقي أسعارها منخفضة نسبياً. أي اضطراب مفاجئ في هذه العلاقة، دون بدائل حقيقية جاهزة، لن يكون أزمة دبلوماسية مجردة، بل أزمة معيشية مباشرة تنعكس على ساعات التجهيز الكهربائي في ذروة الصيف وعلى أسعار السلة الغذائية لملايين الأسر.

الزاوية الثانية…هي المأزق القانوني والمؤسسي لقوات الحشد الشعبي تحديداً، التي تحولت من تشكيل طارئ نشأ لمواجهة تنظيم داعش إلى جزء رسمي من الجهاز الأمني العراقي، مدرج على رواتب الدولة وموازناتها العامة. ضعف الإسناد الإيراني لن يعني حل هذه القوة أو اندماجها التلقائي في الجيش، بل يطرح معضلة أعقد بكثير: كيف تُدار مؤسسة مسلحة ضخمة العدد والعتاد، أصبحت جزءاً من هيكل الدولة الرسمي، في لحظة تتراجع فيها بالضبط المظلة السياسية التي كانت تضبط توجهها وتحدد خطوطها الحمراء.

الزاوية الثالثة…هي الأثر المباشر على تشكيل الحكومات والاستحقاقات الانتخابية، ذلك أن جزءاً كبيراً من آلية حسم الخلافات بين الكتل الشيعية عند الاستعصاء اعتمد لسنوات على ترجيح أو وساطة إيرانية مباشرة. غياب هذه الوساطة لا يعني تلقائياً مزيداً من النضج الديمقراطي، بل قد يعني تكرار سيناريو الشلل الحكومي الذي استمر أشهراً طويلة سابقاً، هذه المرة دون طرف خارجي قادر على كسر الجمود، وبلا آلية عراقية داخلية بديلة جاهزة لأداء الدور نفسه.

الزاوية الرابعة…وهي من أكثر الزوايا إغفالاً، هي الملف المائي. فالعراق يعاني أصلاً من شح متصاعد في مياه دجلة والفرات ومعظم الروافد الحدودية، وحصته المائية من الأنهار الآتية من الأراضي الإيرانية، مثل نهري سيروان وكارون وروافد أخرى في الوسط والجنوب، مرتبطة أصلاً بتفاهمات سياسية غير مكتوبة أكثر من ارتباطها باتفاقيات دولية ملزمة. أي تدهور غير منظم في العلاقة مع طهران، أو حتى فراغ في قنوات التفاوض القائمة، قد ينعكس مباشرة على هذه الحصص المائية في وقت لا يملك فيه العراق أوراق ضغط بديلة تضمن استمرارها، وهو ما يهدد الزراعة في محافظات بأكملها ويغذي أزمة التصحر والهجرة الداخلية من الريف نحو المدن.

الزاوية الخامسة…هي البعد الاجتماعي والنفسي لجمهور الفصائل وحاضنتها الشعبية، وهو بعد يُختزل عادة في الحديث عن القيادات والزعامات وحدها. آلاف العائلات ترتبط معيشتها المباشرة برواتب وامتيازات مرتبطة بهذه التشكيلات المسلحة وأذرعها الاقتصادية والخدمية في مناطق واسعة من الوسط والجنوب. وأي تراجع مفاجئ في مكانة هذه التشكيلات أو تمويلها، دون برامج إعادة دمج اقتصادي واجتماعي حقيقية، قد يولّد شعوراً واسعاً بالتهميش والغبن لدى شريحة اجتماعية ليست صغيرة، وهو شعور قابل تماماً لأن يتحول إلى احتقان أمني إذا تُرك بلا معالجة، بصرف النظر عن موقف القيادات السياسية نفسها.

الزاوية السادسة…تتعلق بملفات الفساد والانتهاكات المرتبطة بشبكات النفوذ السابقة، إذ قد يترافق ضعف المظلة الإيرانية مع اندفاعة سياسية وقضائية لفتح هذه الملفات، لكن في غياب مسار عدالة انتقالية منظم وقواعد واضحة، يصبح هذا الاندفاع عرضة لأن يتحول إلى تصفية حسابات سياسية انتقائية بين الفرقاء الجدد بدل أن يكون مساراً حقيقياً للمحاسبة والإصلاح، بما يعمّق الانقسام بدل أن يرممه.

وتبقى الزاوية الأخيرة، والأهم ربما….وهي السؤال عن قدرة المؤسسات الأمنية الرسمية، من جيش وشرطة وأجهزة استخبارات، على ملء هذا الفراغ فعلياً لا نظرياً فقط. فعقود من ازدواجية السلطة بين الدولة الرسمية وموازياتها المسلحة أضعفت قدرة هذه المؤسسات على الانفراد بالقرار الأمني وبناء عقيدة قتالية وولائية موحدة. وإعادة بناء هذه القدرة تحتاج وقتاً طويلاً وموارد ضخمة وإرادة سياسية متماسكة، وهي شروط ثلاثة قد لا تتوفر مجتمعة في لحظة ضعف إيراني مفاجئ وغير مخطط له، بمعنى أن الدولة قد تجد نفسها مطالبة بلعب دور لم تُبنَ أصلاً لتأديته بهذه السرعة.

المفارقة الأخطر إذن ليست في ضعف إيران بحد ذاته، بل في أن يؤدي هذا الضعف إلى تحرير التنافس العراقي الداخلي، بكل ملفاته السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، من مظلته القديمة دفعة واحدة، دون أن تكون هناك قواعد لعبة جديدة أو مؤسسات دولة قادرة فعلاً على الضبط. وما لم تُبنَ هذه القواعد والمؤسسات مسبقاً، فقد يكتشف العراق أن الصراع المفتوح على تركة النفوذ الإيراني أشد خطورة وأصعب إدارة من المعادلة القديمة نفسها، مهما بدت تلك المعادلة مختلة أو مهينة للسيادة الوطنية.

قد يعجبك ايضا