الهزائم المؤجلة في قصص (مقيدة في الصفر(

علي كاظم داوود

تناقش القصة القصيرة موضوعات كبرى، إنسانيًا وفكريًا، في إطار لغوي محدود، لا يتجاوز بضع صفحات، حتى تبدو جوهرة صغيرة ذات قيمة كبيرة. فهي تعتمد الاقتصاد اللغوي والاختزال الرمزي من أجل تحقيق غاياتها الجمالية والتواصلية، أي أن تؤدي وظيفتين أساسيتين: تقديم عمل أدبي فني، وصياغة معنى ورؤية تجاه الحياة والعالم.

على هذه الركائز تنهض قصص مجموعة (مقيدة في الصفر) للقاصة والشاعرة أفياء الشاهين، لتطرح سؤالًا وجوديًا، يتكرر بصيغ متعددة: ماذا يحدث للإنسان عندما تنتهي الواقعة ويبقى أثرها؟ فالقصص تلاحق لحظات الانكسار التي تواجه شخصياتها، وترصد ما يترسب بعدها في الذاكرة، وكيف تتحول الخسارة إلى عنصر مؤثر في هوية الشخصية، فتصبح الهزيمة حدثًا مؤجلًا تترقب الشخصيات وقوعه في أية لحظة. ومن هنا يبرز عنوان المجموعة بوصفه الثريا التي تضيء مسارات السرد فيها، فهو بمثابة المفتاح لقراءة المجموعة بأكملها، فالصفر هو العدم والفراغ والمساحة التي تتوقف فيها الشخصيات، ومنها الأنثوية بالخصوص، عاجزة عن العودة إلى الماضي أو التقدم نحو المستقبل.

تبدأ المجموعة بقصة (هواجس ليلية) التي تضع القارئ مباشرة أمام إنسان منعزل، يطارد أشباح من فقدهم. في الليل تستفيق هواجس هذا الوحيد، وتتصاعد مونولوجاته، وتشتعل الذاكرة بعد أن تخمد ضوضاء النهار، فيسترجع الأم والجدة والأب، ويكون الحاضر امتدادًا لحزن قديم، كأن ذاته تتمزق بين ذاكرة الطفولة الحزينة، وبين العزلة التي يعيشها رغم زحمة الحياة. ومنذ هذه القصة ترسم المجموعة مسارها؛ فالألم الذي يأتي من الحدث، يستمر في الوعي بعد انقضائه.

تتكرر هذه البنية في قصص عديدة، أي أن الشخصيات قد تغادر التجربة، لكن هزيمتها وغصّتها تبقى كامنة في الأعماق. ففي قصة (حين شنق الأمل) يغيب الأب، ليبدأ انتظار الابن الطويل الذي يحول الأمل إلى عبء نفسي. ويظل الغائب حاضرًا أكثر من الحاضرين، فتغدو الحياة مؤجلة إلى أن يعود من لا يعود. فالقصة تجسد صراعًا بين الأمل واليأس، في إطار وجداني يحاكي العواطف العائلية التي يصنعها الفقد.

تنفتح القصص على صور متعددة للخسارات. ففي (تراتيل الليل) يتحول الأرق إلى مرآة يرى فيها الإنسان ضعفه، بينما تدفع العزلة بطل القصة إلى حافة الانتحار. وفي (وحدة الزحام) تقف البطلة وسط الناس، لكنها تعيش عزلة روحية كاملة، حتى يصبح الصراخ محاولة أخيرة لاستعادة ذاتها. أما (أصابع مغموسة) فتجسد امرأة فقدت المعنى في الحياة، فصار الموت احتمالًا أقل قسوة من استمرار الرتابة المملة، لذلك نراها تتهاون مع المخاطر لعلها تستلب روحها وترسلها إلى العالم الآخر.

تستثمر القصص الطاقة الرمزية للسرد لتوسيع دلالة الهزيمة. ففي (صخرة بأرجل حالمة) تتحرك الصخرة وتُؤنسن، في حين يبقى الإنسان ثابتًا متجذرًا في مكانه، وكأن الجماد امتلك القدرة على تجاوز عثراته، وظل ابن آدم سجين خوفه. أما قصة (الحياة بعين صرصار) فهي تتناص مع عالم كافكا، خصوصًا رواية المسخ، لكن هنا تتحول الولادة نفسها إلى بداية قيد اجتماعي يستمر طوال العمر، وتكون الحياة رحلة داخل منظومة تضغط على الفرد منذ لحظات القماط الأولى، وتمسخ روحه الإنسانية إلى كائن مغلول ومسيطر عليه تحت ألف قيد.

لا تنفصل الهزيمة الفردية في القصص عن السياق الاجتماعي، منطلقةً من الذاتي إلى الموضوعي، ومن الفردي إلى الجمعي، ففي قصة (يا دجلة الخير) تحضر الأمكنة العراقية المحملة بالذاكرة، والمشحونة بحنين عتيق؛ دجلة، وشارع المتنبي، والشابندر، قبل أن تجعل جفاف النهر علامة على جفاف أوسع أصاب المكان والإنسان معًا. وفي (مرثية أور) يستدعي السرد التاريخ السومري ليقرأ الحاضر العراقي، وتأتي الأسطورة لاستكشاف واقع مثقل بالعنف.

في مجموعة أفياء الشاهين نلاحظ اتساع دائرة النقد الاجتماعي والثقافي للظواهر السلبية، وذلك في قصص مثل: (صدى رصاصة) التي تكشف عن جانب من آثار الأعراف العشائرية في حياة الناس، وتشتبك معها في نقد سردي حاد، بعدما انتقل الجور العشائري من الأرياف إلى المدن. وكذلك قصة (كريستال) التي ترصد عالم المخدرات من خلال خطين سرديين متوازيين: أحدهما يلاحق المدمن وهو يغرق في هلاوسه، والآخر يتابع المهرب حتى يقع في قبضة العدالة. ويكشف هذا التوازي أن بعض الأفراد هم ضحايا شبكات اجتماعية واقتصادية معقدة، همها الربح فقط، ولا تعتني بمصيرهم ومستقبلهم.
تمثل المرأة في قصص المجموعة أكثر الشخصيات تعرضًا للخسارة. ففي (أحلام مرقومة) تواجه ضغط المجتمع الذكوري، وثقل الإنجاب، وتراجع الذوق الاجتماعي، وأزمة التربية. وفي (كوفيد 19) تتضاعف محنة المرأة حين يجتمع المرض مع خيانة الزوج. أما (زغاريد هاربة) فتقدم واحدة من أكثر نهايات المجموعة دلالة؛ عن امرأة ترفض الخاطبين لأنها ما تزال أسيرة ذكرى عاطفية قديمة، ثم ترى نفسها في الحلم أنها أصبحت أمًا يملأ الفرح بيتها، وهذا يعني أن الأمومة تحولت إلى رغبة دفينة، يمنعها تعلقها بالماضي من تحقيقها.

تكشف قصص (مقيدة في الصفر) أن أغلب الشخصيات تكاد تكون منهزمة ويائسة، وفاقدة لقدرتها على استئناف الحياة. لكن بعض النصوص تنتهي بإشارات إلى الانفراج، والخروج من العزلة، أو خطوة نحو فضاء مفتوح، أو عبور إلى ضفة أخرى، أو حلم بالإنجاب، وهي إشارات تمنح الشخصيات بصيص أمل، أو قدرة على التعايش.

تتباعد موضوعات القصص لكن الرؤية السردية تقارب بينها؛ فالمرض، والعنف، والإدمان، والهجرة، والعلاقات الأسرية، وغيرها من موضوعات تتحول إلى صور لهزيمة واحدة تختلف وجوهها، ويبقى أثرها النفسي ثابتًا. ومن هنا تتشكل وحدة المجموعة في مستوى أعمق من الحبكة؛ إذ تتأسس على رؤية للإنسان بوصفه كائنًا يحمل ندوبه معه أينما ذهب. لذلك يمكن القول أن القصص نجحت في تحويل الهزيمة إلى بنية ثقافية تحكم الشخصيات وتوجه اختياراتها. ومع ذلك، نرى بين ثنايا القصص ومضات تشير إلى إمكانية استئناف الحياة؛ فثمة صخرة تمضي بأرجل حالمة، وعربة تواصل حمل أثقالها، وشخصية تعبر الجسر نحو أفق آخر، وأخرى تفتح الباب في وجه الصدى، وامرأة ترى في الأمومة وعدًا مؤجلًا. تبدو هذه اللمحات السعيدة متوارية خلف ركام الخسارات، لكنها تمنح المجموعة توازنها الفني والإنساني؛ فليس من الحتمي أن تكون الهزيمة قدرًا نهائيًا، ولربما بقي الأمل طاقة كامنة تستمر في المقاومة، مهما طال زمن الانتظار.

قد يعجبك ايضا