محمد محضار
تذكَّرْ بهدوءٍ وتُؤَدة خطواتِك المحسوبة وكلماتِك المنطوقة. تذكَّرْ تلك المرحلة العميقة من قصتك السريالية مع الأيام، تذكَّر فصولَها الغريبة وسمتَها العبثية. حاول أن تضبط أعصابك وتفكر بمنطقٍ يغنيك عن التسرع في اتخاذ القرارات المصيرية، حتى تكون إنساناً يجمع بين الواقعية ورزانة العقل..
كان دائماً رجلَ مواقفَ تتجاوز حدود اللحظة؛ لتصل الماضي بالحاضر وتضع المستقبل في الحسبان. رجلٌ خرج من زمن الانكسارات لينقّب عن محفِّزاتٍ تجعل الحياة أكثر يُسراً وتيسيراً في وجهه..
انكسر ظهره عندما فارق زوجته بعد أن تعثرت علاقتهما، وهبّت رياح الخلاف والاختلاف على عشهما، ولم تنفع تدخلات ذوي النوايا الحسنة في رأب الصدع الذي طال رباطهما، ففرّق بينهما أبغض الحلال، ومضى كلٌّ منهما لغايته. سرقته الأيام، وطوت السنوات من عمره ما شاءت.
وعندما انتبه، اكتشف أن الرأس قد اشتعل شيباً، وأن الشباب مضى، وأن الزمن خانه كغيره من بني جنسه ممن فاتهم قطار الحياة ودخلوا منطقة الظل. وهذه قصة أخرى يمكن تناولها أفقياً وعمودياً، وفي نهاية المطاف تبقى النتيجة واحدة وغير قابلة للتغيير؛ لأن سهم الزمن يسير في اتجاه واحد، والجسم يخضع لقانون المادة المحكوم بالفناء. إن كل شيء آيل للزوال، واللحظة الجميلة تضيع وتندثر، ونهاية العالم بالنسبة إليه ترتبط بفناء جسمه وتحوله إلى جسد بلا حركة. وما دام هذا سيحدث لا محالة لاحقاً، فعليه اليوم أن يستغل ما تبقى من أعوام العمر التي لا علم له بِمداها.
للأقدار أحكامها وترتيباتها، وللصدفة أيضاً سياقاتها التي لا يمكن تجاهلها بأي حال من الأحوال.
بعد أكثر من ربع قرن من العمل داخل القسم معلماً بمدرسة شوقي، تم تعيينه مديراً بمجموعة مدارس “رباط الخير” بنواحي مدينة الفقيه بن صالح.
“وماذا بعد؟ توقف فجأة حمار الشيخ عند العقبة. أنا الراوي: اختلطت علي الأمور، ولم تعد لدي القدرة على مواصلة تطوير الأحداث؛ لأن شخصية هذه القصة غامضة وغير واضحة بما فيه الكفاية، وترفض التعاون معي في تطوير الأحداث ورسم مسار يخدم سيرورة السرد؛ لهذا قررت اللجوء إلى الكاتب الذي تسبب لي في هذا الوضع، وقد ألجأ أيضاً إلى القارئ القدير، لعلهما ينقذاني من هذه الحيرة والتوقف المفاجئ عن الحكي، سواء كان سنكرونياً (تزامنياً) ثابتاً أو دياكرونياً (تعاقبياً) متطوراً.
بعد بحث طويل استطعت الوصول إلى الكاتب، الذي كان يعيش لحظة صفو صحبة أسرته في مطعم “داماسكا” بكورنيش “عين الذئاب”. تسللت بين طاولات رواد المطعم حتى بلغت طاولة الكاتب، وعندما وقع نظره عليَّ تغيرت ملامحه، وبدت على وجهه مسحة غضب. اعتذر لزوجته وأبنائه وقام على عجل، أمسكني من مرفقي وصرخ بي: “ماذا تريد؟ ولماذا أنت هنا؟“.
قلت بصوت تشوبه نبرة خجل: “معذرة يا سيدي على هذا الإزعاج غير المقصود، لكنني وجدت صعوبة في تطوير وقائع هذه القصة؛ لأن الشخصية الرئيسية غامضة وترفض التعاون”. رسم الكاتب على وجهه ابتسامة ماكرة وقال بصوت لاذع: “منذ البداية اخترنا الرؤية السردية من الخلف، وهذا يعني معرفة الراوي المطلقة لكل شيء عن الشخصيات: ماضيها، حاضرها، ومستقبلها، وكذلك قدرته على اختراق ضمائرها وقراءة أفكارها ومشاعرها ونواياها، بل الأكثر من هذا؛ الحضور في كل زمن ومكان…”.
قاطعته متوسلاً: “أرجوك يا صديقي لا تخذلني، أريد توجيهاً منك ينهي حيرتي…”.
رد الكاتب ويبدو أنه قد اقتنع بحججي: “هناك كلمات مفاتيح مثل: استغلال أعوام العمر، أحكام القدر، سياقات الصدفة، ومجموعة مدارس “رباط الخير”.
قاطعته مرة ثانية قائلاً: “أول الغيث قطرة، وما قلته مؤشر على إمكانية بناء حبكة قوية ومؤثرة“.
اقترب الكاتب مني وهمس لي: “إليك الخيط الناظم: قصة حب مفاجئة تُلقي شرارة غير متوقعة في خريف العمر، سرعان ما تعيد ضبط إيقاع نبض حياة الشخصية الرئيسية، والبقية تأتي من عندك…”.
“عوداً على بدء، دعوني أعود بكم لمتابعة مصير المدير الجديد السيد إبراهيم الصنهاجي؛ الرجل الناضج الذي يوشك أن يكمل الثامنة والخمسين من عمره، وغايته اليوم هي الخروج من دائرة الانكسارات والعزلة الاختيارية، والانفتاح على أجواء اجتماعية أكثر دفئاً.
عندما حطّ الرحال لأول مرة بمقر التعيين، بدت المدرسة المركزية بأسوارها الإسمنتية الباهتة وحجراتها التي تختزل حكاية أجيالٍ مرت من هنا، وهي تحتضن معلمين يعيشون رتابة الوظيفة في وسط هذا الفضاء المنسي. هنا تعطل الزمن، واستحالت الحياة إلى لحظات ملل متشابكة. كان طلاء الأقسام قاتماً يثير الاشمئزاز، ورغم الصور البائسة التي تزين الجدران، فكل شيء كان يوحي بأن الكآبة تفرض نفسها ضيفاً ثقيلاً على الجميع.
كان مكتبه متواضعاً يحتوي على طاولة خشبية بأدراج لتخزين الأوراق ومعدات الكتابة، وخلفها خزانة من خشب الزان تضم ملفات المؤسسة ووثائقها الإدارية، وكان هناك باب يفضي إلى مستودع ملاصق لحجرة المكتب، يضم مواد التنظيف والوسائل التعليمية،“
في هذه الأجواء الغريبة عليه، بدأ رحلة جديدة في البحث عن ذاته، وفي الوقت نفسه التكيف مع المسؤوليات التي تقتضيها الإدارة التربوية، في ظل الإكراهات
القاسية التي ترتبط بقلة الإمكانيات وغياب الحوافز. في البدء حاول أن يتعامل مع الأطر التربوية بنوع من المهادنة، والتروي، وضبط النفس؛ لكنه بعد أن تجاوز مرحلة التكيف مع المحيط العام للمؤسسة، شرع في وضع أسس مبنية على الاحترام والتنسيق الدائم مع المدرسين، والتشاور المستمر لضمان سير الدراسة بانتظام ودون مشاكل تعكر صفو العلاقات بين الجميع.
ولأن الأقدار تتحالف دائماً مع المصادفات والتوافقات، فقد توقف الزمن لثوانٍ وتبددت هيبة المقام الإداري، عندما وجد نفسه في أول لقاء مع المدرسين فجأة أمام صَدِيقِ الطُّفُولَةِ وَمَقَاعِدِ الدِّرَاسَةِ الجَامِعِيَّةِ أحمد فرطاس. في البدء تلاقت العيون واتسعت، وتحولت الملامح المشدودة إلى ابتسامات دافئة ملأت أرجاء حجرة المكتب. نهض إبراهيم مِنْ خَلْفِ مَكْتَبِهِ بِسُرْعَةٍ لَمْ يَعْتَدْهَا، وَتَقَدَّمَ نَحْوَ
أحمد بِذِرَاعَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وعانقه بحرارة، ثم قال:
– يَا لَهَا مِنْ مُصَادَفَةٍ عَجِيبَةٍ لَمْ تَخْطُرْ لِي عَلَى بَال!
أَجَابَهُ أحمد وَهُوَ يَضَعُ كُتُبَهُ جَانِباً: “أَهْلاً بِسِيَادَةِ المُدِير، بَلْ أَهْلاً بِأَخِي إبراهيم! ها قَدْ جَمَعَتْنَا الأَقْدَارُ مُجَدَّداً فِي حضرة الطَّبَاشِيرِ بَعْدَ أَنْ ظَنَنْتُ أَنَّ اللِّقَاءَ بَاتَ مُسْتَحِيلاً”.