انس الشيخ مظهر
كل حكومة عراقية جديدة تفتح الملف الكوردي بابتسامة. تُوزَّع الوعود كالحلوى في يوم تشكيل الحكومة: الرواتب، النفط، الموازنة، المادة 140. وبمجرد أن تنال الحكومة ثقة البرلمان، تُطوى الملفات نفسها وتُوضع على الرف، لتُفتح من جديد فقط حين تحتاج بغداد أصوات الكورد مرة أخرى. من المالكي إلى العبادي إلى عبد المهدي إلى الكاظمي إلى السوداني، والحكومة الحالية لا تشذ عن القاعدة: وعد في المهد، ونسيان بعد الفطام.
القيادة الكوردية تحفظ عن ظهر قلب كل دورة خذلان مرّت بها. فلماذا تعود إلى نفس الطاولة رغم يقينها بأن الوعد سيُنسى بعد أشهر؟ الجواب بسيط ولا يحتاج للكثير من العناء وهو لأن الإقليم ليس دولة مجاورة تستطيع إغلاق الحدود والانصراف. هو جزء من العراق، ورواتب موظفيه ومستحقاته المالية مقفلة داخل خزينة بغداد. مقاطعة الطاولة لا تعني الانسحاب من اللعبة، بل تعني ترك القرار لمن يريد أن يُعيد تعريف الفدرالية من دون أن يسمع صوت الإقليم أصلاً. أربيل تفاوض مضطرة، لا لأنها ساذجة، بل لأن الغياب أخطر من خيبة الأمل المتكررة. وهذه العلاقة المختلة لا تُدار بالصدفة، بل بآليتين واضحتين يمكن لأي متابع أن يرصدهما في كل دورة خلاف بين بغداد وأربيل:
الأولى.. تعتمد على الزمن نفسه كأداة ضغط..
والثانية.. تستبدل القاعدة الثابتة باتفاق مؤقت يتكرر من دون أن يُقفل الملف.
سياسة إنهاك الوقت
في بغداد، لا أحد يحتاج إلى إلغاء الفدرالية بقرار رسمي. يكفي أن تُترك الملفات معلّقة، وأن تتأخر الرواتب شهراً بعد شهر، وأن تتحول كل مستحقات الإقليم إلى مادة تفاوض دائمة. الزمن هنا سلاح لا حياد فيه. كل شهر تأخير يُنهك موقف أربيل التفاوضي، ويجبرها في الجولة التالية على قبول تنازلات أكبر مقابل حق كان يفترض أن يكون مضموناً منذ البداية.
لا حاجة لتعديل دستوري ولا لبيان سياسي يعلن التراجع عن الفدرالية. يكفي أن تبقى الحقوق معلّقة بين اجتماع وآخر حتى يتغير الواقع على الأرض من دون أن يتغير حرف واحد في النص الدستوري. وهذا بالضبط ما يجعل استراتيجية الوقت أخطر من أي هجوم مباشر: هي لا تُقاوَم لأنها لا تُعلَن.
الصفقة المؤقتة بديلاً عن النظام
المشكلة الأعمق أن بغداد لم تتعلم بعد الفرق بين التسوية والمؤسسة. فبدل أن تُبنى قواعد ثابتة تحكم العلاقة مع الإقليم مرة وإلى الأبد، تُدار كل أزمة باتفاق طارئ خاص بها: اتفاق للرواتب، ثم اتفاق للنفط، ثم اتفاق للموازنة، ثم تعود الأزمة نفسها بعد سنة أو حكومة جديدة، وكأن كل اتفاق سابق لم يكن أكثر من مسكّن مؤقت. والنتيجة أن أي اتفاق لا يُقفل الملف، بل يفتح باباً لاتفاق آخر. وهذه هي المفارقة: حقوق الإقليم الدستورية تُدار وكأنها منحة سياسية تُقدَّم حين تحتاج بغداد إلى صوت كوردي في البرلمان، وتُسحب حين تستقر الحكومة في مقعدها.
لا مكان يظهر فيه هذا المنطق أفضح من ملف الرواتب. فبغداد تدفع رواتب موظفيها في كل وزاراتها كالتزام لا نقاش فيه، بينما يقف موظف الإقليم في آخر الطابور، ينتظر أن تنتهي بغداد من التزاماتها الأخرى لتلتفت إليه. السؤال بسيط: إذا كان الإقليم جزءاً من الدولة، فلماذا يُعامَل موظفوه كأنهم استثناء يُصرف له ما تبقى، لا مواطنون لهم مستحق ثابت مثل أي عراقي آخر؟
والأخطر أن هذا الترتيب يمنح بغداد سلاحاً لا يملك الإقليم مثله وهو الخزينة الاتحادية بيد المركز، وآلية الصرف بيد المركز، والقرار بتأخير الأموال أو ربطها بشروط جديدة بيد المركز أيضاً. أما أربيل فلا تملك في المقابل سوى الانتظار. وتكرار هذه المعادلة عاماً بعد عام لا يصنع أزمة مالية عابرة فقط، بل يعيد صياغة صورة الفدرالية في وعي الناس “من نظام دستوري متكافئ إلى علاقة مانح ومتلقٍّ”. وهذا هو جوهر ما يجب رفضه. المشكلة ليست أن أربيل تطلب المال، بل أن العلاقة بين المركز والإقليم يجب أن تقوم على قواعد واضحة لا تتغير مع كل انتخابات…فلا تكون الموازنة أداة عقاب. ولا الراتب ورقة ضغط. ولا يحتاج الإقليم لانتظار حكومة جديدة كي يسمع وعداً قديماً معاداً.
مرّت على العراق حكومات كثيرة، وفي كل مرة كانت هناك بداية جديدة ووعود جديدة، لكن النتيجة تكررت بلا تغيير. وهذا وحده دليل كافٍ على أن المشكلة ليست في نوايا هذا المسؤول أو ذاك، ولا في قلة الاجتماعات، بل في نظام سياسي اختار الاتفاق المؤقت بديلاً دائماً عن القاعدة الثابتة. لذلك تعود أربيل إلى الطاولة كل مرة، لا لأنها تصدّق وعداً جديداً، بل لأنها تعرف أن غياب صوتها عن بغداد أخطر من سماع وعد آخر لن يتحقق. إنها تفاوض لتحمي ما تستطيع حمايته داخل دولة يُفترض أن دستورها حسم شكل العلاقة منذ عام ٢٠٠٥.
لكن هذا لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. فكل مرة يضطر فيها الإقليم لإعادة التفاوض على حق دستوري مكتوب أصلاً، وكل مرة يتحول فيها راتب موظف بسيط إلى ورقة مساومة سياسية، فإن ذلك يعني شيئاً واحداً وهو ان النظام الاتحادي لم يتحول بعد من شعار على الورق إلى ممارسة على الأرض.
المطلوب من بغداد ليس وعداً جديداً بلافتة جديدة، ولا لجنة أخرى تعيد فتح الملفات نفسها. المطلوب اعتراف بأن كوردستان ليس ملفاً من ملفات الحكومة، بل شريك دستوري في الدولة العراقية. وما يترتب على هذا الاعتراف يجب أن يتحول إلى قواعد لا تتغير بتغير رئيس الوزراء، ولا بسعر برميل النفط، ولا بميزان القوى داخل البرلمان.
فالمشكلة لم تكن يوماً أن أربيل لم تسمع الوعود، بل أن بغداد لم تتعلم بعد أن الدولة التي تحترم دستورها لا تعد مواطنيها بحقوقهم كل أربع سنوات، بل تنفّذها من دون أن يُطلب منها ذلك.