كوردستان واحة السلام لكل مكونات العراق

د. أحمد العامري

يبقى العراق عرضة لسياسات وأطماع دول مختلفة بحكم موقعه الجغرافي وثروته النفطية في وقتٍ تموج فيه منطقة الشرق الأوسط بالصراعات والحروب والتدخلات، وتتسارع فيه الأحداث لتجعل من بعض الدول ساحات لتصفية الحسابات حيث يقف العراق اليوم على مفترق طرق حاسم. إما أن ينجر إلى أتون الفوضى، أو أن يتمسك بخيار الحكمة والسيادة والبناء.

ومن هذا المنطلق تبرز كوردستان كواحة للسلام والاستقرار النسبي كنموذج حي على إمكانية التعايش وإدارة التنوع، وعلى أن الأمن هو البوابة الحقيقية للتنمية والاستثمار. فما حققته كوردستان نهضة عمرانية يشار لها بالبنان والرقي وكذلك من استقرار أمني ومجتمعي خلال السنوات الماضية رغم كل التحديات، يجعل منها رسالة أمل بأن العراق قادر على تجاوز محنته.

فصفة السلام أو واحة السلام لم تأتي من فراغ، فقد قدمت كوردستان نموذجاً في احتضان كل ألوان الطيف العراقي في سرائهم وضرائهم فضلا عن الانفتاح على الاستثمار، وفي الحفاظ على السلم الأهلي رغم المحيط الملتهب. وهذا النموذج يجب أن يُعمم على كل العراق، لأن الاستقرار الذي تنعم به أي بقعة في العراق هو استقرار لكل العراق والخطر الذي يهدد أي جزء هو خطر على الكل..

إن قوة العراق تكمن في وحدته. فمن زاخو إلى البصرة، ومن دهوك إلى العمارة، المصير واحد والهدف واحد. لقد أثبتت التجربة أن أي محاولة لجر العراق إلى محاور الصراع الإقليمي لا تخدم إلا أعداءه، وتؤخر مشاريع الإعمار والخدمات. لذلك فإن البُعد عن نيران المنطقة ليس انسحاباً ولا ضعفاً، بل هو حياد إيجابي ووعي بالمصلحة الوطنية العليا.

قرارنا يجب أن يكون عراقياً، وسيادتنا خط أحمر لا مساومة عليه. طريق البُعد عن أزمات الجوار ليس مفروشاً بالورود. فهناك تحديات اقتصادية من تذبذب أسعار النفط وملف الرواتب، وتحديات أمنية من محاولات زعزعة الاستقرار وتحديات سياسية من الضغوط الخارجية. ولكن الأخطر من كل ذلك هو خطاب التأجيج الطائفي وخطاب الكراهية الذي تحاول بعض المنصات نشره لتفكيك النسيج الاجتماعي.

لمواجهة ذلك نحتاج إلى وحدة موقف سياسي حقيقي، وحوار دائم بين بغداد وأربيل وبين كل المكونات لحل الخلافات على طاولة واحدة. كما نحتاج إلى اقتصاد مقاوم للأزمات عبر تنويع مصادر الدخل ودعم القطاع الخاص، وإلى إعلام وطني مسؤول يبني ولا يهدم ويعزز ثقافة “العراق أولاً” وإلى أمن استخباري استباقي يحمي سيادة البلاد من أي خروقات.

إن العراق يستحق أن يعيش كغيره من بلدان العالم التي تمتلك مقومات النهوض بكل أشكالها يستحق أطفاله مدارس آمنة، ويستحق شبابه فرص عمل وتستحق عوائله حياة كريمة بعيداً عن أصوات القصف وبيانات التهديد.

كوردستان واحة السلام وستبقى كذلك بإذن الله والعراق بكل مكوناته يسعى للبُعد عن نيران المنطقة وهذه ليست مجرد جملة بل هي عقد اجتماعي وسياسي جديد. عقد يلتزم فيه الجميع بأن نبني وطناً لا أن نحرقه، وأن نكون جسراً للتواصل لا ساحة للصراع. فبناء الأوطان يبدأ بقرار وقرارنا اليوم هو السلام.

قد يعجبك ايضا