دموع حارة في خيمة باردة

كوردستان يوسف

في أقصى المخيم، عند خيمة تهتز تحت صفعات الريح، جلست آڤين، ذات التسعة عشر عاماً، ترسم بعينيها عالماً من التراب والحجارة. كانت تحاول أن تصنع من الجماد لعباً وأحلاماً، بعدما سرقت الحرب منها الزهور والعصافير وضحكات المراهقة، كل حجرٍ ترميه في الهواء يعود إليها ثقيلاً، كأنه يرفض أن يتحرر من جاذبية الأرض الموبوءة بالحزن.

أمها، گولي، التي لم يتجاوز عمرها الأربعين، جلست قرب موقدٍ صغير تراقب الماء يغلي ببطء، وعيناها لا تغليان بالماء بل بالانتظار. كل يومٍ يشبه الآخر، والأطفال يسألونها عن الخبز، فترد بابتسامةٍ متعبة: “غداً سيهطل المطر، ويأتي الربيع، وينضج القمح.. نعم ستأتي بعد قليل سيارة الخبز “. لكنها تعلم أن الغد هنا ليس إلا أسطورة تتوارثها الشفاه، بينما الريح تسرق الوقت كما سرقت أشجار المدينة.

في الليل، يلف المخيم صمت ثقيل تتخلله همسات بكاء. نساء يبتلعن الحزن خوفاً من أن يراه أطفالهن، أرامل يطفئن أنينهن في الصدور، ثكالى يعددن أسماء أطفالٍ لن يعودوا… كل قلب هنا مقبرة، وكل جسدٍ صامد كي لا يموت الأطفال مرتين.

وفي ليلةٍ شديدة البرودة، توقفت أنفاس الطفلة روها. البرد والمرض كانا أعتى من جسدها الصغير. دفنت في تراب غريب، بعيداً عن مقابر الأجداد. أمها جثت على القبر تعانق التراب البارد وتصرخ: “خذيني معكِ يا ابنتي.. هنا لا حياة لنا”. لكن الأرض ظلت صماء، وابتلعت جسد الطفلة بصمت لا يعرف الرحمة.

ومن بعيد، عاد رامان، الفتى الذي خبأت آڤين اسمه في قلبها، محمولاً على أكتاف أصدقائه.. رصاصة أصابته وهو يحاول عبور الحدود إلى تركيا، بحثاً عن طريق يقوده إلى أوروبا، إلى حياةٍ جديدة كان يحلم أن يأخذها معه إليها. وقفت گولي قربه تبكي، كأنها تصلي: “حتى أحلامكم يسرقونها.. حتى خطواتكم لا يسمح لها بالعبور”. أما حنين، فجلست في ركن الخيمة، تصارع دموعها. لم تجرؤ أن تقول إنها أحبته. لم تمهلها الحياة لتبوح، فسرق الموت حبها الأول قبل أن يزهر.

عند الفجر، استيقظت آڤين وقد أصبحت أرقّ من أن تُحتمل. سألت نفسها في صمت: لماذا كل شيء هنا يذوب قبل أن ينمو؟

كانت المدينة الأم، سري كانية، تبكي من بعيد. لو كانت قادرة على الكلام، لقالت: “من سرق نهري؟ من قطع أشجاري؟ من دفن قمح حقولي وأزهار ربيعي؟ من جعل أطفالي ينامون على الأرض بلا مهود ولا أغان؟”. آڤين تتذكر كل شيء: الأسواق المضيئة في ليالي رمضان، البيوت التي كانت تفيء بالظل، أصوات الأذان تختلط بعطر الزيزفون، رائحة الكليجة الساخنة، ووجوه صديقاتها في المدرسة، عرباً وكورداً وسرياناً، وشيشاناً يجتمعن في باحة واحدة ليضحكن ويلعبن. أما الآن، مسجد يتيم من خيمةٍ مهترئة، ومؤذنٌ صوته يغرق في أنين الريح

هنا، في هذا المكان المهمش، حيث يتنفس الجميع هواء الفقد، لم يعد للحب مكان. الولادات الجديدة مجرد أرقام في قائمة الجياع، والموت صار عادياً، كأنه حضور يومي لا يفاجئ أحداً. النساء يخفين أجسادهن الهزيلة خلف الخيام الممزقة، بلا عطر ولا مكياج، بلا دفء ولا أمان. الزمن متوقف عند حافة اليأس.

وفي ليلة أشد قسوة، كانت آڤين تحاول سد منافذ الريح الباردة. رأت جارتها وسط الصقيع، تحمل حجراً وتخاطبه: “أريد أن أزرعك لتصير وردة.. هل يمكنك أن تصير وردة؟”. لكن الحجر ظل صامتاً وبارداً.

وفجأة، ظهر طيف الطفلة روها. كانت تحمل بين أناملها وردة حمراء صغيرة نبتت من أعماق التراب.. لمست الحجر البارد فتحول بين يدي الجارة إلى دفء قصير العمر، في تلك اللحظة، شعرت حنين أن الوردة لم تكن مجرد هدية من الموتى، بل قلب رامان أيضاً، ينبض لحظة أخيرة قبل أن يتجمد.

سمع الجميع همس الريح، بصوت عميق وحنون: “حتى التراب قادر أن يزرع حلماً.. ولو للحظة”. ثم صمتت الريح تاركة المخيم لوحدته.

لكن في عيني آڤين، ولأول مرة، لمعت بذرة أمل. رأت في الأفق صورة مدينتها، كعروس جميلة ترتدي ثوبها الأبيض الملطخ بالرماد. عندها فهمت أن الحب والموت ليسا ضدين، بل توأمان ينامان في حضن سري كانية. وربما، فقط ربما، سيأتي يوم يعودون فيه إليها.

قد يعجبك ايضا