الإثبات العلمي والتاريخي للهوية القومية الكردية للإيزيديين وتفنيد الأطروحات السياسية الانفصالية

أكرم محمد

تعتبر مسألة الهوية القومية للإيزيديين واحدة من أكثر القضايا الإنسانية والتاريخية التي تعرضت للتجاذبات السياسية والجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في العقود الأخيرة التي تلت التحولات البنيوية في العراق والمنطقة بعد عام ألفين وثلاثة، وتعمقت بشكل حاد بعد الفاجعة الإنسانية الكبرى وإبادة سنجار في عام ألفين وأربعة عشر. وفي خضم هذه التحولات، برزت أصوات مدفوعة بأجندات سياسية وإقليمية تحاول ترويج أطروحة مفادها أن الإيزيديين يمثلون قومية وعرقاً مستقلاً تماماً عن الشعب الكردي، مستغلين الجراح النفسية والتاريخية لهذا المكون العريق. إلا أن إخضاع هذه الادعاءات لمشرط البحث العلمي الرصين، والتقصي في كافة الحقول الأكاديمية والتطبيقية، يكشف بوضوح أن هذه المحاولات تفتقر إلى أي أساس علمي، وأن الانتماء القومي الكردي للإيزيديين يمثل حقيقة راسخة تدعمها علوم الجينوم البشري، واللسانيات الفيلولوجية، والتوثيق الأنثروبولوجي والتاريخي المحايد عبر القرون.

وعند تشريح هذه الهوية من منظور علم الجينوم البشري وفحوصات الحمض النووي المتقدمة، يتضح أن المختبرات الوراثية العالمية حسمت هذا الجدل بعيداً عن الميول الأيديولوجية؛ إذ أظهرت الدراسات الوراثية الشاملة المقارنة للسلالات الأبوية في شمال العراق وغرب آسيا أن المحتوى الجيني للإيزيديين يقع بدقة متناهية ضمن الكتلة الجينية الكردية لشمال بلاد ما بين النهرين. وتثبت التحليلات المخبرية المقارنة للواسمات الوراثية لكروموسوم واي أن الإيزيديين يتشاركون ذات الأصول العرقية والسلف البشري القديم مع الكرد القاطنين في أودية وجبال زاگروس وطوروس. وما يثير الدهشة من الناحية التطبيقية هو أن نظام الزواج الداخلي الصارم الذي فرضته العقيدة الإيزيدية لقرون طويلة، والذي يمنع التزاوج من خارج الطائفة، قد حمى هذا المكون من الاختلاط البشري بالشعوب المجاورة بعد الفتوحات الإسلامية، مما جعل من الجينوم الإيزيدي بمثابة متحف وراثي حي يمثل النسخة الصافية والأصلية للكرد القدامى والميديين الأوائل، في حين تبتعد البنية الوراثية للإيزيديين تماماً عن السلالات الطاغية في المجموعات السامية المحيطة.

وليس الحمض النووي البيولوجي وحده ما يربط هذا المكون بجذوره القومية، بل إن الحمض النووي الثقافي المتمثل في اللغة يفصح عن ذات الحقيقة التاريخية؛ فعلم اللسانيات الفيلولوجي المقارن يصنف لغة الإيزيديين اليومية والطقسية، دون أدنى شك، كفرع أصيل ومباشر من اللهجة الكرمانجية الشمالية التابعة لعائلة اللغة الكردية. وإن التراتيل والأقوال الدينية المقدسة التي توارثتها طبقة القوالين شفوياً عبر مئات السنين في معبد لالش النوراني، قد نُظمت كلياً ببحور الشعر الكردي الكلاسيكي القديم وبنيته النحوية والصرفية الفريدة، حيث تتطابق القواعد اللغوية ونظام التذكير والتأنيث والتصريف الفعلي عند الإيزيديين بنسبة مئة بالمئة مع كرد دهوك وزاخو وديار بكر وبوطان. والمحاولات السياسية المستحدثة لإطلاق مسمى لغة مستقلة تحت عنوان الإيزيدكية تدحضها المجامع اللغوية الدولية التي تؤكد أن هذا المصطلح ليس سوى تسمية محلية دينية طائفية لنفس اللسان الكردي الكرمانجي المستقر، وهو سلوك لغوي واجتماعي تكرر مع العديد من الجماعات المنعزلة عبر التاريخ لكنه لا يغير من التركيبة اللغوية البنيوية شيئاً.

ويتطابق هذا التلازم اللغوي والبيولوجي مع التوثيق التاريخي العتيق والمخطوطات التي دونت قبل ظهور الحركات الحزبية أو الصراعات المعاصرة بقرون؛ فحينما نعود إلى المراجع الإسلامية الكلاسيكية في القرون الوسطى، نجد مؤرخين كباراً مثل ابن الأثير وابن خلكان وابن فضل الله العمري يصفون الجماعات القاطنة في جبال الموصل وسنجار وهكاري والشيخان باسم الأكراد الداسنيين، وهو الاسم التاريخي العريق للإيزيديين، واصفين قلاعهم وبأسهم وعاداتهم المتميزة كجزء من المكون الكردي الجبلي. ويتجلى هذا التأصيل التاريخي بوضوح في كتاب شرفنامه للأمير شرف خان البدليسي الصادر عام ألف وخمسمائة وسبعة وتسعين، والذي يعد الموسوعة الأولى لتاريخ الإمارات الكردية، حيث أفرد فصولاً كاملة للعشائر الكردية الداسنية الإيزيدية وتاريخ إماراتهم، موضحاً بالتفصيل وحدة الأصل العرقي والدم والرحم بين القبائل الكردية التي ظلت على إيزيديتها وتلك التي اعتنقت الإسلام لاحقاً نتيجة ظروف الأسلمة التاريخية. هذا التداخل العشائري العابر للأديان يظهر أن عائلات وقبائل كردية كبرى مثل الدنادية والخالدي والمحمدي تنقسم إلى فروع مسلمة وأخرى إيزيدية تحتفظ بذات الاسم والروابط الاجتماعية والفلكلور الشعبي المشترك.
ولم يقتصر هذا التوثيق التاريخي على المصادر الإسلامية والكردية فحسب، بل امتد ليشمل الأرشيف الإداري الرسمي للإمبراطورية العثمانية التي حكمت المنطقة لأربعة قرون؛ إذ تكشف دفاتر النفوس وسجلات الضرائب السلطانية في ولايات الموصل وديار بكر وفان أن الخلافة العثمانية كانت تصنف هذا المكون عرقياً وقومياً بعبارة واضحة وقاطعة وهي طائفة الأكراد الإيزيديين، ولم يتعاملوا معهم إدارياً أو سياسياً كقومية مستقلة كالعرب أو الأرمن أو السريان بل كعشائر كردية خارجة عن المذهب الرسمي للدولة. ويدعم هذا التوثيق الرسمي شهادات الرحالة والمستشرقين الأجانب الذين زاروا المنطقة بدافع الحياد العلمي؛ حيث وصف المستشرق الروسي فلاديمير مينورسكي، الذي يعد المؤسس الأول للدراسات الكردية في الأكاديميات الغربية، الديانة الإيزيدية بأنها تمثل العقيدة القومية التاريخية القديمة للشعب الكردي قبل انتشار الإسلام، مشيراً إلى أن تحصن الإيزيديين بالجبال وعزلتهم الطائفية قد حميا لغتهم وثقافتهم الكردية الفطرية من الذوبان والتعريب أو التتريك. وتتطابق هذه الرؤية مع مذكرات المقيم البريطاني في بغداد كلووديوس جيمس ريج عام ألف وثمانمائة وعشرين الذي زار مناطقهم ودوّن بدقة أن الإيزيديين أكراد عرقاً ولغة ومظهراً ولا يختلفون عن جيرانهم من الكرد المسلمين إلا في طقوسهم العبادية الصارمة، وهو ما أكدته أبحاث البروفيسور الغربي فيليب كراينبروك في دراساته الحديثة حول الميثولوجيا الإيزيدية.

وفي سياق تفكيك الخلفيات والتحليلات الجيوسياسية التي تقف وراء بروباغندا الانفصال القومي المعاصر، يتبين أن الأسباب الكامنة وراء الترويج لكون الإيزيديين ليسوا كرداً تعود إلى سياسات التعريب القسرية الممنهجة التي طبقها نظام حزب البعث في العراق منذ سبعينيات القرن العشرين، حيث سعى النظام لتغيير ديموغرافيا المناطق المتنازع عليها في سنجار وشيخان، ولأن الإيزيديين أكراد، طُبق عليهم ضغط قانوني وعسكري هائل لإجبارهم على تسجيل أنفسهم كعرب في التعداد السكاني العام لتفتيت الكتلة التصويتية والجغرافية الكردية. وتعمق هذا التوجه السياسي بعد عام ألفين وأربعة عشر، حيث استغلت أطراف إقليمية ومحلية حالة الصدمة والغضب والشعور بالخذلان الأمني لدى المجتمع الإيزيدي إثر غزو تنظيم داعش لمناطقهم، وقامت بتغذية خطاب قطيعة قومية مصطنع يهدف لعزل سنجار جغرافياً وتحويلها كانتوناً معزولاً يخدم حسابات نفوذ سياسي لا صلة لها بالحقائق التاريخية. ويقع هذا الخطاب في مغالطة منطقية فادحة تعتمد على خلط الدين بالقومية، مستندة إلى حقيقة أن الإيزيديين تعرضوا عبر التاريخ لحملات إبادة وفرمانات نفذتها أحياناً إمارات كردية مسلمة بأوامر عثمانية؛ إلا أن علم الاجتماع السياسي يؤكد أن الحروب الأهلية والنزاعات الدينية الطائفية بين أبناء العرق الواحد، كما حدث بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا أو بين الطوائف المختلفة في العالم العربي، لا تلغي الرابطة القومية والعرقية واللغوية المشتركة.

ويُستشهد في هذا الصدد أيضاً بالنموذج الأرميني في القوقاز، حيث تُصنف جمهورية أرمينيا الإيزيديين كقومية مستقلة في إحصاءاتها الرسمية، وهو فصل يعود لجذور أمنية وسياسية ارتبطت بالحقبة السوفيتية وحروب القوقاز القديمة؛ إذ كانت هوية الكردي ترتبط شعبياً بالإسلام والتحالف مع تركيا أو أذربيجان ضد أرمينيا، ولتفادي هذا الربط الخطير وضمان حماية الإيزيديين واندماجهم الاجتماعي، فضّلت المؤسسات الأرمينية والإيزيدية هناك تسجيلهم تحت المسمى الديني الصرف كقومية منفصلة لدواعٍ أمنية محصورة في تلك البيئة، وليس بناءً على معطيات علم الأجناس والأنثروبولوجيا. وفي مقابل هذه المحاولات السياسية، يأتي الموقف الرسمي والشرعي الحاسم من داخل البيت الإيزيدي نفسه ليقطع الطريق على المتاجرين بهويته؛ حيث أصدر المجلس الروحاني الإيزيدي الأعلى، الذي يمثل السلطة الدينية والاجتماعية العليا والممثلة لكل إيزيديين العالم بقيادة مير حازم تحسين بك وبابا شيخ، بيانات رسمية متكررة وقاطعة يعلن فيها للعالم أجمع أن محاولات فصل الإيزيديين عن أمتهم الكردية هي مؤامرة سياسية تهدف لتفتيت حقوقهم، مؤكداً أن الإيزيديين كرد عرقاً ولغة وتاريخاً وثقافة، وأن عقيدتهم الدينية القديمة هي جزء أصيل ونبيل من التراث والتاريخ الكردي العريق. وتتكامل هذه الحقائق العلمية والتاريخية والوراثية لتقدم برهاناً ساطعاً لا يقبل التأويل، يثبت أن الإيزيديين ليسوا فقط جزءاً من الشعب الكردي، بل هم النواة والعمق الفكري والروحي الأصيل الذي حفظ لغة كردستان وثقافتها وفطرتها الجينية من الضياع عبر التاريخ.
المصادر والمراجع المعتمدة

1. Dogan, S., Gurkan, C., Marjanovic, D., et al. “Paternal lineages of Northern Iraqi ethnic groups.” PLOS ONE, vol. 12, no. 11, 2017.
2. “Genetic Affinity between the Armenian Yezidis and the Iraqi Kurds.” Iran and the Caucasus, vol. 14, no. 1, 2010, pp. 37-42.
3. Chukhryaeva, M., Skhalyakho, R., Kagazegeva, J., et al. “STR and SNP Markers of Y-Chromosome Unveil Similarity between the Gene Pool of Kurds and Yezidis.” ResearchGate / Open Science Index, 2017.
4. Ethnologue: Languages of the World. “Kurdish, Northern (Kurmanji) Language Structure.” SIL International.
5. Kreyenbroek, Philip G., & Omarkhali, Khanna. Yezidism and Yezidi Studies in the early 21st century. Brill Publishing, 2022.
6. Allison, Christine. The Yezidi Oral Tradition in Iraqi Kurdistan. Routledge, 2001.
7. البدليسي، شرف خان (1597م). شرفنامه: تاريخ الإمارات والقبائل الكردية. (مخطوطة تاريخية موثقة).
8. ابن الأثير، عز الدين (القرن 13). الكامل في التاريخ: أحداث قبائل الأكراد الداسنيين. دار صادر.
9. جلبي، أوليا (القرن 17). سياحت نامه (كتاب الرحلات العثماني). الأرشيف التركي الرسمي.
10. الأرشيف العثماني الرسمي التابع لرئاسة الوزراء التركية (BOA). دفاتر النفوس وسجلات الضرائب لولايات الموصل وديار بكر (Ekrad-ı Yezidi).
11. Minorsky, Vladimir. Studies in Caucasian History and Kurdish Origins. Cambridge University Press.
12. Rich, Claudius James (1836). Narrative of a Residence in Koordistan. London: James Duncan.
13. The Case of Yazidi Identity in the Period of Kurdish and Arab Nationalism. Cambridge University Press, 2018.
14. The Yazidis Ethnic Identity in the Caucasus and the Soviet Census Impact. Institut kurde de Paris.
15. الوثائق الرسمية والمقررات الصادرة عن المجلس الروحاني الإيزيدي الأعلى (يونيو 2024). [3, 5, 6, 7]

[1] [https://brill.com](https://brill.com/view/journals/ic/14/1/article-p37_4.xml)
[2] [https://www.scienceopen.com](https://www.scienceopen.com/document_file/2690e9d0-909f-4109-b7e8-ab4073ca35fb/PubMedCentral/2690e9d0-909f-4109-b7e8-ab4073ca35fb.pdf)
[3] [https://www.researchgate.net](https://www.researchgate.net/publication/322095961_STR_and_SNP_Markers_of_Y-Chromosome_Unveil_Similarity_between_the_Gene_Pool_of_Kurds_and_Yezidis)
[4] [https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov](https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC5669434/)
[5] [https://www.researchgate.net](https://www.researchgate.net/publication/320840145_A_glimpse_at_the_intricate_mosaic_of_ethnicities_from_Mesopotamia_Paternal_lineages_of_the_Northern_Iraqi_Arabs_Kurds_Syriacs_Turkmens_and_Yazidis)
[6] [https://www.researchgate.net](https://www.researchgate.net/publication/249572691_Genetic_Affinity_between_the_Armenian_Yezidis_and_the_Iraqi_Kurds)
[7] [https://publications.waset.org](https://publications.waset.org/abstracts/search?q=Medes)

قد يعجبك ايضا