جدلية الفيدرالية والمحاصصة في الدولة المركبة: بين مكاسب الشراكة ومخاطر التفكك

سمير السوره ميري

تُعرف “الدولة المركبة”: بأنها الكيان السياسي الذي تتعايش داخله جماعات قومية أو طائفية أو أثنية أو لغوية متعددة، و”الدولة البسيطة” ذات النسيج الإجتماعي شبه متجانس، وهنا يبرز السؤال المركزي مَنْ يحكم، وكيف تُدار السلطة، ومَن يُشارك في القرار وعلى أي أساس وبأي معيار؟ يطرح الفكر السياسي إجابتين بارزتين: الفيدرالية بوصفها نظامًا دستوريًا لتوزيع السلطة بين المركز والوحدات الإقليمية، والمحاصصة أو ما يعرف في الأدبيات السياسية ” الديقراطية التوافقية”، بوصفها آلية لإدارة التنوع وتقاسم السلطة والنفوذ بين المكونات السياسية والمجتمعية، المحاصصة أداة لتقاسم السلطة، لكنها تتحول إلى إشكالية سياسية حين تصبح توزيعًا ثابتًا للمناصب والنفوذ على أساس طائفي أو إثني أو حزبي.
الفيدرالية: فلسفيًا تقوم على فكرة “الوحدة في التنوع” فهي ليست انفصالًا ولا مركزية مطلقة، هي سلطة ذاتية في شؤونها الداخلية، مع الاحتفاظ بسيادة مشتركة في الشؤون العليا، كالدفاع والخارجية والعملة، ومن ميزاتها: إستيعاب التعدد دون قمعه، وتخفيف حدة الصراع المركزي، وتعزيز المساءلة المحلية لكونها أقرب إلى المواطنين، الأقاليم صمام أمان للدولة الموحدة، وهناك كذلك بعض السلبيات، منها: ازدواجية السلطة وتضارب الصلاحيات، وترسيخ الهويات الشراكية الرئيسية والفرعية على حساب الهوية الجامعة، وتفاوت التنمية بين الأقاليم الغنية بالموارد والأقاليم الأفقر مما يولد شعورًا بالغبن يهدد التماسك الوطني، وأرى الفيدرالية كمقدمة لمرحلة إنتقالية في بعض الحالات الخاصة للانفصال، في غياب عقد اجتماعي راسخ وفقدان الثقة المتبادلة، وهذه نتيجة تتحملها الحكومات الاتحادية وحدها بسبب هذا الفقدان، وخيانة عهود الشراكة الحقيقية، وخاصة إذا كانت تلك الأقاليم ذات طابع جغرافي وعرقي مترسخ فيها، وتلك المرحلة تتحملها المركز لسوء إدارتها الدستورية.
المحاصصة كآلية توافقية: المحاصصة السياسية هي نظام توزيع المناصب والسلطة بناء على الانتماء الطائفي العرقي بدلا من الكفاءة ، لضمان الاستقرار بعد نزاعات أهلية أوطائفية أو عرقية التي نشأت من عروق أرض الواحد ، اعطاء كل مكون الشعور بالتمثيل والمشاركة لتخفيف حدة التوترات تصلح في المراحل الانتقالية فقط، ومن آثارها السلبية ضعف الكفاءة وتفشي الفساد والمحسوبية بسبب تقاسم النفوذ وضعف المساءلة، والتحول الى مصالح النخب، وتكريس الانقسام الطائفي بدل الجمع، واضعاف الهوية الوطنية الجامعة، المحاصصة ليست بناء دولة، ومن أبرز الامثلة التاريخية تاسيس النظام الطائفي ميثاق 1943 لبنان، النتيجة حروب أهلية تكررت ودمار مستمر وفساد مؤسسي ضخم وشلل حكومي شبه دائم، والنموذج العراقي الحاضر خير دليل على ذلك بعد بعقدين من الزمن، فوضى الفساد والضعف وخيانة الأمانة والوطن.
ارسطو كان يرى ان الصراع السياسي ينشا غالبًا من شعور الجماعات بالظلم أو الاقصاء، وأن الاستقرار يتحقق عندما تشارك الفئات المختلفة في الدولة مشاركة عادلة، وحذر من احتكار السلطة، ويرى افلاطون ان الدولة العادلة يجب أن تُدار بواسطة أصحاب الحكمة والمعرفة، لا وفق توازنات المصالح الفئوية، ومونتسكيو دعا الى توزيع السلطة ومنع تركيزها بيد جهة واحدة، ويرى ان توازن القوى يمنع الاستبداد، وجان جاك روسو حذر من تغليب المصالح الخاصة على الارادة العامة، وان الدولة تضعف عندما يتحول السياسة الى حصص ومنافع.
القول في استحقاقنا اليوم ليست منَّةً من أحد، ولا هبةً تُمنح، بل حقٌ انتزعناه بنضالٍ أمتدد لعقود طويلة، وعبر عهودٍ خاويةٍ لم تُنصف أصحاب الحق، حتى ارتوت أرضُ نضالنا بدموع الصبر وقرابين التضحيات، وأينعت فيها زهورٌ حمراء ونضجت بواكيرُ مسيرةٍ، لم تكن يومًا نزهة عابرة، بل طريقًا شاقًا عبرته أجيالٌ وهي تحمل أثقال الخيبة، ومن العثرات صنعت جسورًا، ومن الإنكسارات إرادةً لا تنكسر.
واليوم وقد حان قطاف تلك البواكير، فلا ينبغي أن تُبعثر في سلالٍ متفرقة، ولا أن تُجزِّأ بين أيدٍ متنازعة، فالحق الذي ولد من رحم المعاناة لا يليق به أن يُسلّم للفرقة، والثمرة التي نضجت على شجرة التضحيات لا ينبغي أن تُفقد بسبب اختلاف السلال، لأن النضال حين يتفرّق عند لحظة القطاف، قد يخسر ثمرة ما كسبه طوال سنوات العجاف، لقد علمتنا التجارب أن الحقوق لا يحميها مجرد الوصول إليها، بل يحميها الوعي بقيمتها، وأنّ ما يُنتزع بتضحيات جماعية لا يجوز أن يتحول عند لحظة الحصاد إلى مكاسب أنانية.
وقولنا الحذر:
من فيدراليةٍ تحاول أن ترتدي ثوب المحاصصة، ومن هدفٍ مشترك قد يتحوّل حين تُختزل في المصالح، إلى سوقٍ لتقاسم المنافع، عندها تتحوّل باكورةُ نضالنا من استحقاق دستوري، إلى قضية تفاوض على الغنائم، ليبدأ النسيج المتامسك بالتآكل، لتتقدم الهويات الجزئية على حساب هوية التي صاغتها عقودٌ من النضال، ونسجتها الآلام والتضحيات على طريق الحرية، إنها لعبةٌ لم تكن بعيدةً عن أيدٍ تدرك أن ما عجزت عن هدمه بالقوة، قد تستطيع هدمها من الداخل، حين تجعلنا نختلف على ثماره وننسى ثمنه.
فأخطر ما يفعله الحاسد حين يعجز عن انتزاع امتيازاتنا التاريخية، أن يزرع فينا من الوهم ما يجعلنا نهدمه بأيدينا، ثم نختلف بعد ذلك: من كان أكثر إخلاصًا في الهدم، ويمنحنا الوهم بأننا نتصارع على حماية المنجز، بينما نحن في الحقيقة نتقاسم أنقاضه.

قد يعجبك ايضا