من “الپيك” العثماني إلى “الدكتور” الجامعي اليوم… كيف تحولت الألقاب الوظيفية إلى طبقية صامتة تحكم العلاقات العراقية؟

م.م زيد محمد كاظم

يناديه الجميع بـ”الدكتور”، حتى خارج أسوار الجامعة، وفي السوق، والمقهى، والمناسبات الاجتماعية. يجلس إلى جانبه رجل آخر يحمل خبرة مهنية امتدت ثلاثين عامًا، لكنه يُعرَّف باسمه المجرد. لا يتعلق الأمر هنا بالدرجة العلمية بقدر ما يتعلق بطريقة نظر المجتمع إلى الألقاب، وكيف أصبحت بعض الكلمات تمنح أصحابها مكانة اجتماعية تتجاوز حدود الوظيفة، بينما تضع آخرين في مرتبة أدنى، رغم أن قيمة الإنسان لا تُقاس بلقبه، وإنما بما يقدمه للمجتمع. وهذه الظاهرة ليست جديدة على المجتمع العراقي، بل تمتد جذورها إلى قرون مضت. ففي العهد العثماني، كانت ألقاب مثل “الپيك” و**”الأفندي”** و**”الباشا”** تحمل دلالات تتجاوز التعريف الوظيفي، إذ كانت تعكس النفوذ والمكانة والسلطة. وكان مجرد مخاطبة شخص بأحد هذه الألقاب يحدد شكل العلاقة بين الناس، ويكشف موقعه داخل السلم الاجتماعي. ورغم تغير الأنظمة السياسية، وسقوط تلك المسميات الرسمية، فإن ثقافة الألقاب لم تغادر المجتمع العراقي، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال جديدة. فحلّت ألقاب مثل “الدكتور” و**”المهندس”** و**”القاضي”** و**”اللواء”** و**”المستشار”** محل الألقاب القديمة، وأصبحت تحمل، في كثير من الأحيان، أبعادًا اجتماعية تتجاوز طبيعتها المهنية. ولا أحد ينكر أن اللقب العلمي أو الوظيفي يستحق الاحترام، فهو ثمرة سنوات من الدراسة أو الخدمة أو المسؤولية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول اللقب إلى معيار للتفاضل بين الناس، أو إلى وسيلة تمنح صاحبها امتيازًا اجتماعيًا لا يرتبط بكفاءته أو أخلاقه، وإنما بمجرد الصفة التي تسبق اسمه. ففي الشارع العراقي، يمكن ملاحظة هذه الظاهرة بسهولة. ففي بعض المناسبات، يُقدَّم أصحاب الألقاب قبل غيرهم، وتُفتح لهم أبواب قد تبقى مغلقة أمام الآخرين. وفي بعض المؤسسات، لا يتعامل الناس مع الشخص كما هو، بل كما يعرّفه لقبه. حتى في المجالس الاجتماعية، كثيرًا ما يُنادى شخص بلقبه الرسمي، بينما يُكتفى بذكر أسماء الآخرين، وكأن اللقب أصبح بطاقة تحدد قيمة الإنسان قبل أن يتحدث.
وتظهر هذه الثقافة أيضًا في البيئة الجامعية. فاللقب الأكاديمي ضرورة داخل المؤسسة العلمية، لأنه يعبر عن موقع أكاديمي محدد ويحفظ التسلسل العلمي. لكن المشكلة تنشأ عندما ينتقل هذا اللقب إلى كل تفاصيل الحياة اليومية، فيصبح جزءًا من الهوية الاجتماعية، لا من الوظيفة فقط. والأسوأ من ذلك، عندما يتحول إلى وسيلة لخلق مسافة نفسية بين الناس، أو إلى أداة لإظهار التفوق الاجتماعي. ولا تقتصر هذه الظاهرة على المؤسسات التعليمية، بل تمتد إلى دوائر الدولة والقطاع الخاص وحتى وسائل الإعلام. فكثيرًا ما يُمنح اللقب أهمية أكبر من الفكرة التي يحملها صاحبه، ويصبح الاسم أقل حضورًا من الصفة التي تسبقه. وهكذا، يجد المجتمع نفسه أمام طبقية هادئة لا تعلن عن نفسها، لكنها تؤثر في العلاقات اليومية، وفي طريقة التعامل، وفي توزيع الاحترام. وسائل التواصل الاجتماعي زادت من حضور هذه الظاهرة. فكثيرون يحرصون على وضع ألقابهم العلمية أو الوظيفية في أسماء حساباتهم الشخصية، ليس للتعريف المهني فقط، بل أحيانًا لإبراز مكانة اجتماعية. وأصبح اللقب، لدى بعضهم، جزءًا من الصورة التي يريد تقديمها للآخرين، في زمن أصبحت فيه المكانة الرقمية امتدادًا للمكانة الاجتماعية. لكن المجتمع الذي يربط الاحترام بالألقاب وحدها، يخاطر بإهمال قيم أكثر أهمية؛ كالنزاهة، والكفاءة، والإبداع، والخلق. فكم من معلم ترك أثرًا في أجيال كاملة، ولم يحمل لقبًا أكاديميًا كبيرًا، وكم من حرفي أو طبيب أو مزارع أو عامل أسهم في بناء المجتمع أكثر من أشخاص حملوا أعلى الألقاب، لكنهم لم يتركوا أثرًا يذكر. الثقافات المتقدمة لا تلغي الألقاب، لكنها تضعها في مكانها الطبيعي. فاللقب وسيلة للتعريف بالمهنة أو التخصص، وليس أداة لتقسيم المجتمع إلى طبقات صامتة. والاحترام الحقيقي لا يُفرض بالكلمة التي تسبق الاسم، بل يُكتسب بالسلوك والعمل والإنجاز. والعراق، وهو يسعى إلى بناء مجتمع يقوم على الكفاءة والعدالة، يحتاج إلى مراجعة هذه الثقافة بهدوء. ليس المطلوب التقليل من قيمة الأستاذ الجامعي، أو الطبيب، أو القاضي، أو الضابط، بل المطلوب أن يمتد الاحترام إلى كل من يؤدي عمله بإخلاص، مهما كان موقعه. فالأوطان لا يبنيها أصحاب الألقاب وحدهم، بل يبنيها أيضًا العامل، والفلاح، والمعلم، والموظف، والمهندس، والجندي، وكل من يضيف لبنة في بناء المجتمع.

إن أخطر أنواع الطبقية ليست تلك التي تُكتب في القوانين، بل التي تستقر في العقول. وعندما يصبح اللقب أهم من الإنسان، والصفة أهم من الفكرة، فإن المجتمع يفقد جزءًا من توازنه. أما عندما يُنظر إلى الألقاب باعتبارها مسؤولية قبل أن تكون وجاهة، وعندما يُقاس الناس بما يقدمونه لا بما يُسبق أسماءهم، فإن الاحترام يتحول من امتياز يمنحه اللقب إلى قيمة يستحقها كل إنسان بعمله وأخلاقه. وهكذا، تبدلت أسماء الألقاب منذ أيام “الپيك” و**”الأفندي”**، لكن السؤال ما زال قائمًا: هل تغيّر مضمونها فعلًا، أم أننا استبدلنا الكلمات فقط، بينما بقيت النظرة الاجتماعية إلى المكانة كما هي، تنتج طبقية هادئة لا تُرى، لكنها تُمارس كل يوم؟

قد يعجبك ايضا