حين يعفو المرجع.. فأين أنتم من الأخلاق السمحة؟

عرفان الداوودي

في العراق، حيث أصبح البعض يتعامل مع السلطة وكأنها ملك شخصي، ومع القانون وكأنه سيفٌ يُشهر بوجه الخصوم، يأتي موقف المرجع الديني الأعلى آية الله السيد علي السيستاني ليضع الجميع أمام اختبار حقيقي للأخلاق والدين وهيبة الدولة.

رجل أُوقف لأنه أساء إلى المرجع وحرق صورته ونشر ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان يمكن أن تتحول القضية إلى عقوبة وانتقام وتشفي، لكن المفاجأة أن المرجع نفسه قال: «فأطلقوا سراحه، واتركوا الناس تقول عني ما تريد».

هنا يجب أن يتوقف السياسيون والمسؤولون طويلاً.

إذا كان من أُسيء إليه اختار العفو، فلماذا يصرّ البعض على تحويل كل إساءة إلى معركة؟

وإذا كان المرجع لم يطلب حماية الدولة عندما كانت حياته مهددة، فلماذا نجد في العراق من يستنفر أجهزة الدولة من أجل كلمة أو منشور أو موقف مخالف له؟

هذه ليست قضية شخص واحد.

هذه قضية دولة.

لا تجعلوا القانون سيفاً بيد السلطة

القانون وُجد لحماية الناس، لا لإرهابهم.

والدولة القوية ليست التي تملأ السجون بالمخالفين، ولا التي تستخدم أجهزتها لمعاقبة من يختلف معها، وإنما الدولة القوية هي التي تطبق القانون على الجميع، وتحمي الحريات، وتصون كرامة الإنسان، وتعرف متى تكون العقوبة ضرورة ومتى يكون العفو فضيلة.

ومن هنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:

لا يجوز تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية أو الشخصية.

ومن يسيء، فليحاسبه القانون إذا كان فعله يشكل جريمة، ومن يتضرر فله حقوقه القانونية، لكن لا يجوز أن تتحول الدولة إلى طرف في معركة انتقامية.

فالعدالة شيء، والتشفي شيء آخر تماماً.

المرجع يعلّم السياسيين درساً قاسياً

موقف السيد السيستاني وضع بعض السياسيين أمام مرآة صعبة.

فالرجل الذي يملك مكانة دينية واجتماعية كبيرة لم يقل: اعتقلوه، عاقبوه، انتقموا منه.

بل قال:

«لم أطلب حماية الدولة يوم كانت حياتي مهددة في 2003، ولن أطلبها اليوم لمجرد انزعاج من أحد أولادي».

ثم فتح الباب للعفو.

أي رسالة أقوى من هذه؟

أن تكون قادراً على الانتقام، ثم تختار الرحمة.

أما البعض، فما إن يسمع كلمة لا تعجبه حتى تبدأ بيانات التخوين والتهديد والملاحقات والاتهامات.

وهنا السؤال:

أين ذهبت أخلاق السياسة؟ وأين ذهبت أخلاق الدين؟ وأين ذهب احترام الإنسان؟

القرآن لا يبني مجتمعاً على الانتقام

يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾
[النور: 22]

ويقول جل وعلا:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[آل عمران: 134]

هذه ليست آيات للزينة في الخطب والمنشورات.

هذه منهج حياة ومنهج حكم ومنهج مجتمع.

والأشد وضوحاً قوله تعالى:

﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[فصلت: 34]

فإذا كانت الإساءة تُقابل دائماً بإساءة، والخصومة بخصومة، والانتقاد بالسجن، والاختلاف بالتهديد، فإلى أين سيصل المجتمع؟

إلى الفتنة، ثم إلى الانقسام، ثم إلى الخراب.

لا تجعلوا مواقع التواصل محاكم للإعدام المعنوي

نعم، حرية التعبير لا تعني حرية الاعتداء على كرامة الآخرين.

ومن يسيء أو يشهر أو يحرض، يجب أن يتحمل مسؤوليته وفق القانون.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول مواقع التواصل إلى ساحة للانتقام السياسي والاجتماعي، وعندما يصبح المختلف عدواً، والناقد خائناً، والمعارض متآمراً، والمسيء مشروعَ ضحية للانتقام.

هنا يجب أن نقولها بصراحة:

العراق لا يحتمل مزيداً من الكراهية.

لقد دفع العراقيون ثمناً باهظاً من الدماء بسبب التحريض الطائفي والقومي والسياسي.

فلا تعيدوا إنتاج الماضي بأدوات جديدة.

«اتركوا الناس تقول عني ما تريد»

هذه العبارة وحدها تستحق أن تُدرّس في مدارس السياسة والإعلام.

«اتركوا الناس تقول عني ما تريد».

كم مسؤولاً عراقياً يستطيع أن يقولها؟

كم سياسياً يتحمل النقد دون أن يبحث عن وسيلة لإسكات صاحبه؟

كم مسؤولاً يملك شجاعة أن يقول: دعوا الناس تتحدث، والحقيقة ستظهر؟

إنها ثقافة مختلفة تماماً عن ثقافة «إما معي أو ضدي».

والأخطر من ذلك أن بعض المتنفذين يريدون إعلاماً يصفق لهم، ومواقع تسبح بحمدهم، وأصواتاً لا تقول إلا ما يريدون سماعه.

لكن الحقيقة لا تُعتقل.

والرأي لا يُسجن.

والكلمة لا تموت.

والتاريخ لا يرحم أحداً.

«يوم تبلى السرائر»

قال تعالى:

﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾
[الطارق: 9]

ففي النهاية، ستسقط الأقنعة.

ستظهر النوايا.

سيُعرف من كان يريد الإصلاح ومن كان يريد الانتقام، ومن كان يحمي الدولة ومن كان يستغل الدولة، ومن كان يدعو إلى الوحدة ومن كان يعيش على إشعال الفتنة.

ولهذا فإن الإنسان العاقل لا يحتاج إلى مطاردة كل كلمة تقال بحقه.
الحقيقة أقوى من حملات التشويه، والتاريخ أطول من عمر المنشور، والحق لا يحتاج إلى ميليشيا إلكترونية تحميه.

«ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً»

قال رسول الله ﷺ:

«ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً».

وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يصل إلى السياسي والمسؤول ورجل الدين والإعلامي والمواطن.

العفو ليس ضعفاً.

العفو قوة.

والرحمة ليست تراجعاً.

الرحمة أخلاق.

والتسامح ليس هزيمة.

التسامح انتصار على النفس قبل أن يكون انتصاراً على الخصم.

رسالة إلى الدولة والسياسيين

يا من تملكون القرار:

لا تستخدموا القانون لتخويف الناس.

لا تجعلوا الدولة خصماً للمواطن.

لا تجعلوا الأجهزة الأمنية وسيلة لمعاقبة أصحاب الآراء والمواقف.

لا تحولوا الاختلاف إلى قضية أمنية.

ولا تسمحوا بأن يصبح العراق بلداً يخاف فيه المواطن من التعبير عن رأيه أكثر مما يخاف من الفساد والجريمة.

الدولة التي تحترم المواطن هي التي تحترم القانون. والدولة التي تحترم القانون لا تحتاج إلى الانتقام.

أما المرجع، فقد اختار طريقاً أكثر قوة من العقوبة:

اختار العفو.

الخاتمة: درس لا يجوز أن يضيع

موقف السيد السيستاني ليس مجرد خبر عابر.

إنه رسالة سياسية وقانونية ودينية وأخلاقية في وقت يحتاج فيه العراق بشدة إلى هذه الرسالة.

رسالة تقول:

طبّقوا القانون، لكن لا تنتقموا.
احموا الدولة، لكن لا تستخدموها لقمع الناس.
حاسبوا المخطئ، لكن لا تجعلوا الكراهية منهجاً.
اختلفوا، لكن لا تشعلوا الفتنة.
وانتصروا للحق، لا للثأر.

فالعراق الذي أنهكته الصراعات لا يحتاج إلى سياسيين يجيدون إشعال النار، بل يحتاج إلى رجال دولة يعرفون كيف يطفئونها.

وفي زمنٍ أصبح فيه الانتقام عند البعض بطولة، يأتي موقف رجل دين ليقول للجميع:

العظمة ليست أن تُسقط خصمك عندما تملك القدرة على ذلك؛ العظمة أن تملك القدرة، ثم تختار العفو.

وهنا يبقى السؤال الأكبر أمام كل مسؤول وسياسي:

إذا كان من أُسيء إليه قد عفا… فمن أنتم حتى تجعلوا من الإساءة وقوداً للانتقام؟

قد يعجبك ايضا