الاعلامية فاطمة علي
لم تعد الكارثة في وجود الفاسد ولا في وجود القاتل ولا في انتشار الحرام والانحراف الكارثة الأكبر أن تجد من يدافع عن كل ذلك ويبحث له عن مبررات، ويقاتل من أجل تبرئته وكأن الدفاع عن الباطل أصبح شرفًا
لقد وصلنا إلى مرحلة مخيفةأصبح الإنسان لا يسأل أين الحق
بل يسأل ماذا أريد أنا
فإذا كان الفساد يخدم مصلحته، دافع عن الفاسد
وإذا كان الحرام يوافق هواه، بحث له عن فتوى تبرره
وإذا كان الظلم يحميه، صمت عنه
وإذا ارتكب القتل تحولت الجريمة في عينيه إلى بطولة وأصبح يبحث عن ألف عذر ليغسل بها يديه من دماء الضحايا
وهنا تبدأ نهاية المجتمعات
لأن المجتمع لا يسقط عندما يكثر فيه المجرمون فقط بل يسقط عندما يصبح للمجرم من يصفق له وللفاسد من يحميه، وللظالم من يبرر ظلمه، وللكاذب من يصدقه
المصيبة ليست أن هناك من يرتكب الخطأ؛ فالإنسان يخطئ
المصيبة أن يتحول الخطأ إلى عقيدة والجريمة إلى وجهة نظر والفساد إلى مصلحة والسكوت عن الظلم إلى حكمة
أي مجتمع هذا الذي أصبح فيه بعض الناس يدافعون عن الباطل لا لأنه حق وإنما لأنه يشبههم
إنها عبادة الهوى بأقسى صورها أن تجعل رغبتك ميزان الحق، وأن تقيس الدين والأخلاق والقانون على مقاس مصالحك
والأخطر من ذلك كله أن يُرفع اسم الدين بينما تُهدم قيم الدين، وأن يتحدث البعض عن الأخلاق وهم أول من يدوس عليها، وأن يرفعوا شعارات الحق بألسنتهم بينما أفعالهم تشهد عليهم
فأي دين يبقى إذا صار الإنسان يختار من الدين ما يناسبه ويرفض ما يخالف هواه
لسنا أمام أزمة سياسية فقط، ولا أزمة اقتصادية فقط، ولا أزمة قانونية فقط نحن أمام أزمة ضمير
حين يموت الضمير، يصبح كل شيء قابلًا للبيع: المبدأ، والكرامة والحق، وحتى دماء الأبرياء
ولذلك لا يمكن إصلاح مجتمع إذا كان كل فرد فيه يريد إصلاح الآخرين، بينما يرفض أن يبدأ بنفسه
لا يمكن أن نبني دولة بالفساد ولا عدلًا بالظلم، ولا سلامًا بالسلاح ولا مجتمعًا صالحًا بعقول تبرر الخطأ لأنها تستفيد منه
الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا خوف
ليس كل من رفع شعار الدين مؤمنًا بقيمه، وليس كل من هتف باسم الحق يقف معه، وليس كل من لبس ثوب الفضيلة خاليًا من النفاق
الدين ليس شعارًا نرفعه عندما يخدم مصالحنا، ثم ندفنه عندما يقف في وجه أهوائنا
وإذا استمر الإنسان في تقديس هواه فسوف يصل إلى مرحلة يصبح فيها الباطل حقًا لمجرد أنه يريده والحق باطلًا لمجرد أنه يزعجه
وهنا تكون الكارثة الحقيقية
حين لا يعود الناس يخافون من الله بقدر خوفهم على مصالحهم، ولا يبحثون عن الحق بقدر بحثهم عما يوافق أهواءهم
عندها لا يحتاج المجتمع إلى عدو خارجي كي يسقط
يكفي أن يأكل بعضه بعضًا من الداخل.