كيف نُكافئ قادتنا؟.. أم كيف سيُكافئهم التاريخ؟

عبدالحميد زيباري

قبل أيام، شاهدتُ مقطع فيديو لعراقي نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، وأرفقه بعبارة: (الذي يحنّ للعراق، ليشاهد هذا الفيديو).
بدا لي أن الرسالة موجّهة إلى العراقيين المغتربين، أولئك الذين يعيشون آلام الغربة بكل أشكالها وتفاصيلها. فنحن نعلم جميعًا أن الغربة، في كثير من الأحيان، ليست خيارًا بقدر ما هي حالة اضطرارية؛ ولا أعتقد أن إنسانًا يترك وطنه ويختار العيش بعيدًا عنه إذا كانت ظروفه فيه جيدة، وكان قادرًا على مواصلة حياته بكرامة وأمان.
لكن ما لفت انتباهي في الفيديو هو المشهد الذي يعكس واقع العراق اليوم: شوارع متهالكة، ومجاري مغلقة، وخدمات متردية، حتى يخال المرء أنه يشاهد مشاهد من دولة بعيدة ومنسية، لا من بلد كان يومًا في مصاف الدول المتقدمة، أو على الأقل يمتلك من الإمكانات والثروات ما يؤهله لأن يكون كذلك.
كان العراق، رغم شمولية النظام السابق ودكتاتوريته، يشهد في أواخر سبعينيات القرن الماضي وبداية ثمانينياته نهضة عمرانية وخدمية واضحة في عدد من المجالات. ولا يعني استحضار تلك المرحلة بأي حال من الأحوال الإشادة بالنظام السابق؛ فنحن، كشعب كوردي، من أكثر الشعوب تضررًا من سياساته وممارساته. لكن الإنصاف يقتضي أن نتذكر أن مستوى الخدمات والبنية التحتية في تلك المرحلة كان أفضل في جوانب عديدة مما هو عليه اليوم.
وأنا أتأمل ذلك الفيديو، أخذت أتساءل: كيف وصل العراق إلى هذه الحال؟
لقد كان حلم العراقيين، لعقود طويلة، أن يعيشوا في دولة ديمقراطية تحترم حقوقهم، وتعيد إليهم ما سُلب منهم، وتوفر لهم أبسط مقومات الحياة من أمن وخدمات وصحة وتعليم وكهرباء ومياه وبنية تحتية تليق ببلد يمتلك كل هذه الثروات.
وقد دفع الشعب العراقي ثمنًا باهظًا نتيجة سياسات النظام السابق ومغامراته العسكرية وحروبه المتتالية، التي أنهكت البلاد وأدخلتها في أزمات متراكمة.
وبعد عام 2003، رحّب كثير من العراقيين بتغيير النظام، رغم أن التغيير جاء بدعم مباشر من الولايات المتحدة. وكان الترحيب الشعبي، في جانب كبير منه، نابعًا من الأمل في بناء دولة جديدة، دولة ديمقراطية قادرة على النهوض بالعراق وإعادته إلى موقعه الطبيعي بين الدول المتقدمة.
لكن المفارقة أن ما حدث بعد ذلك لم يكن، في كثير من الأحيان، على مستوى تطلعات العراقيين.
فبدل أن تتجه البلاد بثبات نحو الاستقرار والتنمية، دخلت في دوامة من الصراعات والحروب الطائفية والإرهاب، ثم برزت طبقة سياسية كان من المفترض أن تجعل من خدمة المواطن هدفها الأول، فإذا بجزء منها ينشغل بالسلطة والمصالح الشخصية وجمع الثروة، بينما ظل المواطن العراقي يدفع الثمن.

والأكثر إيلامًا أن الحكومات المتعاقبة لم تتمكن من خلق الظروف التي تشجع العراقيين على العودة إلى وطنهم، بل ساهم سوء الأوضاع الأمنية والخدمية والاقتصادية في دفع أعداد جديدة إلى الهجرة.
وخلال السنوات الثلاث والعشرين الماضية، ترك مئات الآلاف من العراقيين بلدهم بحثًا عن حياة أفضل، رغم أن العراق يُعد من أغنى بلدان المنطقة من حيث موارده الطبيعية والزراعية، ويمتلك من الثروات والإمكانات ما يكفي لبناء دولة مزدهرة لو أُحسن استثمارها وإدارتها.
وما زلتُ أتوقف عند ذلك الفيديو الذي يدعو، بصورة غير مباشرة، العراقي المغترب إلى عدم العودة وعدم الحنين إلى وطن يعاني من تراجع الخدمات.
وفي خضم هذا الشعور، صادفتُ منشورًا للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على منصة «إكس»، جاء فيه كلام يستحق التأمل: (علّمتني الحياة بأن أعمارنا هي جزء من قصة أوطاننا.. والحكمة أن نضيف فصلًا يستحق أن تقرأه الأجيال القادمة).
كلمات قليلة، لكنها تحمل معنى كبيرًا عن علاقة القائد بوطنه، وعن المسؤولية التي تقع على عاتق من يتولى إدارة شؤون الناس.
وهنا يحق لنا أن نسأل القادة العراقيين: ماذا كتبتم في قصة العراق؟ وأي فصل أضفتموه إلى تاريخ هذا البلد؟
هل ستقرأ الأجيال العراقية القادمة ما صنعتموه بفخر وامتنان؟ هل ستجد في سنوات حكمكم ما يستحق أن يُروى بوصفه تجربة نجاح وبناء ونهضة؟ أم أن صفحات هذه المرحلة ستُضاف إلى صفحات أخرى من تاريخ العراق، صفحات لا يرغب أحد في قراءتها أو تذكرها؟
القائد الحقيقي لا يُكافأ بكثرة المديح ولا بطول فترة بقائه في السلطة، وإنما بما يتركه خلفه من دولة قوية، ومؤسسات راسخة، واقتصاد منتج، وخدمات تحفظ كرامة المواطن، وأجيال تنظر إلى المستقبل بثقة.
فالتاريخ لا يجامل أحدًا، والشعوب قد تنسى أسماء كثيرة، لكنها لا تنسى ما فعله القادة بأوطانهم.
ولذلك، فإن السؤال الأهم ليس: كيف نكافئ قادتنا؟ بل: كيف سيكافئنا التاريخ نحن، حين يحكم على ما فعلناه بوطننا؟
فإما أن يكتب القائد فصلًا يفتخر به أبناؤه وأحفاده، وإما أن ينتهي به الأمر، كما انتهى بغيره، إلى صفحات من التاريخ لا تحمل إلا الندم.
والعراق، الذي يستحق أكثر بكثير مما هو عليه اليوم، ما زال ينتظر من يكتب له فصلًا جديدًا يليق بثرواته وشعبه وتاريخه.

قد يعجبك ايضا