حين يصبح الفساد طريقًا والنزاهة غربة

د. محمد صديق خوشناو

ما أقسى أن يعيش الإنسان في وطنٍ تتّسع أبوابه لمن ينهب، بينما تضيق مساحاته أمام من يحلم ويجتهد. وما أشدّ مرارة أن تتحوّل الكفاءة من جسرٍ إلى العمل إلى عبء، وأن تصبح النزاهة سببًا للتهميش، فيما يغدو النفوذ مفتاحًا للفرص والمناصب.

في وطنٍ يفترض أن يكون القانون فيه ميزانًا للجميع، باتت الأسئلة التي تسبق الاستحقاق أحيانًا أكثر حضورًا من الكفاءة: من يقف خلفك؟ من تعرف؟ وما مقدار نفوذك؟

إنها مفارقة مؤلمة؛ فالفاسد يجد من يفتح له أبواب الحماية والصفقات، بينما يقف المواطن البسيط طويلًا أمام أبواب البطالة وغلاء المعيشة وتراجع الخدمات، لا يطلب امتيازًا ولا منّة، بل فرصة عمل، وبيتًا آمنًا، ودخلًا يصون كرامته ويمنحه حقه الطبيعي في حياة مستقرة.

العراق ليس بلدًا فقيرًا، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى كثير من البرهان. فثرواته وإمكاناته قادرة على بناء دولة قوية، واقتصاد مزدهر، ومجتمع ينعم بالأمن والرفاه. غير أن المأساة تبدأ حين تكون إدارة الثروة أضعف من حجمها، وحين تتحول السلطة من أمانة إلى وسيلة للإثراء، والدولة من مؤسسة لخدمة المواطن إلى ساحة للمحاصصة وتبادل المصالح.

منذ سنوات، تتكرر عناوين الإصلاح ومحاربة الفساد وبناء الدولة، لكن المواطن لم يعد يكتفي بالبيانات والخطب. إنه يريد أن يرى الإصلاح في تفاصيل حياته اليومية: قانونًا لا ينحني أمام الواسطة، وفرصة لا تحتاج إلى انتماء حزبي، ووظيفة لا تُشترى، ومؤسسات لا تميّز بين قوي وضعيف.

فالدولة لا تُقاس بكثرة ما ترفع من شعارات، بل بقدرتها على حماية الضعيف، ومحاسبة المتنفذ، وصون المال العام، وإتاحة الفرص على أساس الكفاءة والاستحقاق.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا نخشى طرحه:

إلى متى يبقى الوطن واسعًا لمن سرق، وضيقًا على من حلم؟

وإلى متى يظل الشريف غريبًا في وطنه، بينما يجد الفاسد من يحميه ويبرر له ويدافع عنه؟

إن بناء العراق لا يبدأ من تبديل الوجوه وحده، ولا من إطلاق الوعود، بل من إعادة الاعتبار إلى القانون والكفاءة والنزاهة. يبدأ حين تصبح المسؤولية تكليفًا لا تشريفًا، والسلطة خدمةً لا غنيمة، والمنصب أمانةً لا بابًا للامتيازات.

فالوطن الحقيقي هو الذي يخاف فيه الفاسد من القانون، لا المواطن من المستقبل؛ والذي تكون فيه كرامة الفقير أسمى من مصالح السياسي، وتكون فيه الدولة وطنًا لجميع مواطنيها، لا امتيازًا محفوظًا للمتنفذين.

العراق لا تنقصه الثروات، ولا تعوزه الطاقات، ولا يفتقر إلى العقول. ما ينقصه هو إدارةٌ ترتقي إلى مستوى إمكاناته، ومسؤولٌ يضع المصلحة العامة فوق مصلحته، ودولةٌ تستعيد هيبتها من خلال العدل لا من خلال القوة.

فحين تُدار الثروات بعقل الدولة وضمير المسؤول، يصبح الوطن جديرًا بأبنائه؛ وحين يغيب الضمير، تتحول النعمة إلى نقمة، والوطن إلى غربة.

قد يعجبك ايضا