(مجلس الاتحاد الغائب) هل كان من الممكن أن يمنع الأزمات بين بغداد وأربيل؟

د. أيوب صابر گلالي

منذ أن تم إقرار الدستور العراقي في عام 2005، اختار العراق نظاماً جمهورياً اتحادياً يهدف إلى توزيع الصلاحيات بين السلطات الاتحادية والأقاليم والمحافظات، وكذلك إلى تحقيق توازن مؤسساتي يمنع احتكار القرار أو تركيز السلطة في مكان واحد. لكن بعد أكثر من عشرين عاماً على إقرار الدستور، لا يزال أحد أهم مكونات هذا النظام غائبا وهو مجلس الاتحاد.

غياب هذه الهيئة ليس مجرد تأخير تشريعي يمكن اعتباره تفصيلاً بسيطاً، بل إن الدستوروفق مادة(٤٨) ينص بوضوح على أن السلطة التشريعية تتكون من مجلس النواب ومجلس الاتحاد، وقد خصص للمجلس الأخير مادة دستورية مستقلة وهي مادة (٦٥) تحدد دوره كممثل عن الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم والتي نصت على انه : ((يتم انشاء مجلس تشريعي يدعى بمجلس الاتحاد يضم ممثلين عن الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم، وينظم تكوينه، وشروط العضوية فيه، واختصاصاته، وكل ما يتعلق به، بقانون يسن باغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب)).

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل كان وجود مجلس الاتحاد سيجعل العلاقة بين بغداد وأربيل أكثر استقراراً؟ وهل كان بإمكان مؤسسة اتحادية مثل هذه أن توفرإطار عمل لمعالجة الخلافات قبل أن تتحول إلى أزمات سياسية ومالية وأمنية؟ لا يمكن التأكيد بأن وجود المجلس كان سيمنع جميع الأزمات، ولكن من الصعب تجاهل أن غياب الغرفة الثانية للسلطة التشريعية جعل النظام الاتحادي العراقي ناقصاً من الناحية المؤسسية.

دستور اتحادي بلا مجلس اتحاد

عندما نص الدستور على وجود مجلس النواب ومجلس الاتحاد، لم يكن ذلك مجرد ترف تشريعي، فمجلس النواب يمثل الشعب بناء على التوزيع السكاني، بينما يجب أن يوفر مجلس الاتحاد تمثيلاً للأقاليم والمحافظات. هذه الفكرة أساسية في الأنظمة الاتحادية، الدولة تحتاج إلى مجلس يمثل السكان وأيضا تحتاج إلى هيئة تضمن حضور الوحدات المكونة للاتحاد في صنع القرارالاتحادي، لكن العراق اعتمد الجزء الأول فقط وترك الثاني معلقاً. وهنا ظهرت إحدى المفارقات الأساسية في التجربة العراقية، دولة اتحادية بدون اكتمال إحدى أهم مؤسساتها، والنتيجة هي بقاء العديد من القضايا التي تخص العلاقة بين المركز والأقاليم تدور داخل مجلس النواب، حيث يسيطر التمثيل السياسي والحزبي بدلاً من وجود مؤسسة اتحادية تعكس مصالح الوحدات نفسها.

بغداد وأربيل (غياب الوسيط المؤسسي)

قد تكون العلاقة بين بغداد وأربيل المثال الأكثر وضوحا على الحاجة لمثل هذه المؤسسة، فتلك الخلافات ليست جديدة ولا مرتبطة بحكومة أو دورة انتخابية واحدة، إنها تراكمات تتعلق بالنفط والغازوالموازنة والصلاحيات والمناطق المتنازع عليها وغيرها من القضايا، وفي كل مرة تقريبا يتحول الأمر من خلاف تقني أو دستوري إلى أزمة سياسية كبيرة بسبب عدم وجود مؤسسة اتحادية قادرة على التعامل مع هذه الخلافات بشكل منتظم ومستمر. ومع عدم توفر قنوات مؤسسية كافية، يصبح الحل معتمدا على المفاوضات المباشرة أو التوازنات السياسية داخل البرلمان أو التدخل القضائي مما يحول الخلاف من قضية اتحادية إلى أزمة سياسية.

ماذا كان يمكن أن يفعل مجلس الاتحاد

وجود مجلس الاتحاد يعني أنه لن يحل محل الحكومة أو المحكمة الاتحادية أو مجلس النواب، لكنه كان سيوفرمستوى إضافياً من الحوار حول القضايا ذات الصلة بالوحدة الوطنية. كان بإمكانه توفير منصة دائمة لمناقشة التشريعات التي تؤثر بشكل مباشر على صلاحيات الأقاليم والمحافظات وتسهيل الحوار بين السلطة الاتحادية والوحدات قبل أن تنتقل القضايا إلى الشارع أو المحاكم، كما كان ليخلق ثقافة سياسية تعتمد على التفاوض داخل المؤسسات بدل الانتظار حتى حدوث الأزمات ثم البحث عن حلول مؤقتة.

ملف النفط والموازنة مثال صارخ

تظهر ملفات النفط والإيرادات والموازنة بوضوح الحاجة لمؤسسة تعكس مصالح الأقاليم والمحافظات حيث ان الخلافات حول الموارد ليست متعلقة بالمال فقط بل تشمل كيف تدار الدولة الاتحادية بالمشاركة بين مستويات الحكم المختلفة، ومع غياب مجلس الاتحاد لا توجد غرفة تمثل تلك الوحدات ضمن السلطة التشريعية، مما يجعل النقاش يتحول لصراعات سياسية حول الأرقام والحصص بدلاً من كونه جزءاً من حوارأكبر حول قواعد الاتحاد نفسه. إن إنشاء مجلس الاتحاد لا يعني إعطاء الإقليم أو المحافظات حق تعطيل الدولة بل منحهم صوتًا مؤسسيا يعبر عن مصالحهم.

المناطق المتنازع عليها ملف آخر

تنطبق نفس الأمور على ملف المناطق المتنازع عليها والتي تحمل أبعاد دستورية وسياسية وأمنية واجتماعية وليس مجرد خلاف إداري بين بغداد وأربيل، وجود هيئة تمثل الأقاليم والمحافظات كان سيوفر مساحة إضافية للحوار حول تلك القضايا ويجعل البحث عن الحلول مرتبطا بالنظام الاتحادي ذاته. فالمشكلة ليست دائما غياب النصوص القانونية وإنما غالبًا ما تكمن في عدم وجود مؤسسات قادرة على تحويل النصوص إلى ممارسة سياسية مستقرة.

هل المشكلة في الدستور أم في تطبيقه؟

من السهل توجيه اللوم للدستور فيما حدث بالعراق منذ عام 2005 ولكن ذلك ليس كافياً، فقد نص الدستور بالفعل على النظام الاتحادي واعترف بكوردستان كإقليم اتحادي ونظم توزيع الصلاحيات وأنشأ آليات قضائية للفصل في النزاعات، لكن بناء النظام لا يتحقق بمجرد كتابة النصوص، فالدستور جعل إنشاء مجلس الاتحاد مرتبطاً بقانون ينظم تكوينه وشروط العضوية واختصاصاته وبالتالي يحتاج البناء المؤسسي لتشريع وتنفيذ وليس الاكتفاء بالنص الدستوري فقط، وهذا يحمل المسؤولية للمؤسسات التي تأخرت في إكمال هذا البناء.

هل آن الاوان لإحياء مجلس الاتحاد؟

لم يعد منطقيا اعتبار موضوع مجلس الاتحاد مجرد ملف دستوري مؤجل غير محدد الزمن، فقد أظهرت التجربة العراقية خلال السنوات الماضية ضرورة وجود مؤسسات ناضجة وليس المزيد من التسويات المؤقتة، يمكن أن يكون إحياء المجلس جزءً من مشروع أكبرلإعادة تنظيم العلاقات بين بغداد وأربيل والمحافظات وفق القانون والدستور مع تحديد واضح لتشكيله واختصاصاته وعلاقته بمجلس النواب دون أن يتحول لهيئة للصراع السياسي، العراق بحاجة لمؤسسة تعزز شراكة مكونات الدولة بدل الانقسامات الموجودة أصلاً.

التحول من إدارة الأزمات إلى الوقاية منها

الفارق بين الدول ذات المؤسسات والدول المعتمدة على التسويات يظهر عند وقوع الأزمة، حيث تمتلك الدول المؤسسية قنوات للحوار تمنع تصاعد المشاكل لأزمة كبيرة بينما يعاني الآخرون بسبب افتقارها لهذه الآليات، حتى وإن لم يتمكن المجلس من حل جميع النزاعات إلا أنه كان ليعطي الأطراف مساحة واسعة وإضافية للحوار والتفاوض ويقلل فرص انتقال الخلاف للمستوى السياسي والأمني، إن دور المؤسسات ليس دائما منع الخلاف ولكن يمنع تحول الخلاف إلى أزمة دولة.

المطلوب الآن مجلس اتحاد لا مجال للصراع

إذا أراد العراق بناء نظام اتحادي مستقر فعليه الاعتراف بأن البناء لم يكتمل بعد وبدء العمل الجاد لوضع قانون خاص بمجلس الاتحاد بعد حوار يشمل جميع الأطراف والخبراء القانونيين والدستوريين بما يتضمن:

-آلية تمثيل واضحة للأقاليم والمحافظات.
– شروط العضوية وعدد الأعضاء.
– اختصاصاته وعلاقته بمجلس النواب.
– دوره في التشريعات المتعلقة بالنظام الاتحادي.
– آليات التنسيق مع حكومات الأقاليم والمحافظات.
– ضمان ألا يكون وسيلة لتعطيل التشريع أو خلق أزمات جديدة. كما ينبغي الاتفاق مسبقا سياسيا بأن المجلس ليس وسيلة للمواجهة، بل لحماية البلد نفسه.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الاعتماد فقط على الاتفاقيات المؤقتة لإدارة العلاقة بين بغداد وأربيل غير كاف، فكلما انتهت أزمة بدأت أخرى مما يدل على حاجة العراق لبناء نظام اتحادي مكتمل المؤسسات لكي تكون هناك إمكانية لحل خلافاته قبل تحولها لأزمات وذلك عبر إنشاء مجلس اتحاد متوازن برؤية تحقق المصالح المشتركة وتعمل بروح الدستور لضمان مستقبل أفضل للعراق ومواطنيه.

قد يعجبك ايضا