سمير ميراني
ما بين مجلس قيادة الثورة ومجلس الإطار التنسيقي تبدلت الأسماء والشعارات، وبقي العراق أمام جدلية السلطة نفسها: من يحكم وكيف يُحكم، ولمن يكون القرار؟ مجلس حمل مشروعاً قومياً بعثياً، وآخر جاء من رحم الإسلام السياسي الطائفي : ويبقى الصراع على النفوذ هو الثابت ، وبينهما امتدت ثنائيات صنعت جانباً كبيراً من المشهد العراقي : سني وشيعي ، قومي وإسلامي، مظلومية ومظلومية، ومع كل انتقال للسلطة، تجد هذه الثنائيات طريقها إلى السياسة، فتتحول من اختلاف في الرؤية إلى صراع على القرار.
وهنا يبرز السؤال: هل تغير العراق حين تغيرت السلطة، أم تغيرت وجوه الصراع وشعاراته ؟.
العراق في فوضى متنكرة بقناع الديمقراطية، يبحث عن قرار مستقل، واقتصاد مزدهر، وعلاقات متوازنة مع محيطه، لكنه يظل مثقلاً بالشعارات والمزايدات الطائفية والسياسية، ولعل هذه الصورة أقدم من مجالس اليوم، بدأت هذه الثنائية الجدلية منذ الفتنة الكبرى، ومنذ ذلك الزمن بدأ الدم يروي هذه الأرض.
من الحجاج إلى السفاح، يقف كل منهما على المنبر نفسه في الكوفة، مقولة الحجاج الشهيرة تصدح : ” … والله لكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى”، ومقولة السفاح بعده بعقود، لا تقل وعيداً :” أنا السفاح المبيح، والثائر المبير”. يتبدل الخطيب والجمهور والثوب، ويبقى المنبر واحداً، والوعيد واحداً، والدم واحداً.
ولم تبق الثنائية حبيسة الكوفة وحدها، فمن العثماني إلى الفارسي، امتد الصراع نفسه بين الدولتين، وصار كل طرف يخوض باسم مذهبه معركة الآخر، حتى غدا العراق نفسه ساحة لثأر لا يخصه.
صراع الدم هذا لم يتوقف ، يبدل عناوينه فقط، ويحول أرضاً بين نهرين إلى ارض قاحلة، لا تُزرع فيها الحياة بقدر ما يُحصد فيها الدم.
ومن قيادة الثورة إلى الإطار التنسيقي، تتعاقب السلطات ، ويجد كل طرف في ماضيه ما يمنحه شرعية الحاضر، غير أن وريث اليوم لم يكتفِ بالجدلية القديمة، بل حولها إلى وزارة تُقسّم، ومنصب يُشترى بالولاء، وكهرباء منقطعة.
وحين يرتدي الخلاف السياسي ثوب العقيدة، يتجاوز السلطة إلى الذاكرة والهوية، يحمل كل طرف روايته ومظلوميته، ويستدعي من التاريخ ما يفسر غضبه ويمنحه حقاً في الحاضر، ومع الزمن تصير الرواية هوية ، وتصبح الهوية سلاحاً، وهكذا يبقى الخلاف السياسي حاضراً في الذاكرة، وتبقى الذاكرة حاضرة في السياسة، ومن هنا تبدأ دورة الانتقام.
يصل طرف إلى السلطة بعين المنتصر، فيعامل خصمه بمنطق الغلبة، تتراكم المظالم، وتتوارث الجماعة جرحها، حتى تتغير موازين القوة، عندها يصل الطرف الآخر محملاً بذاكرته، فيكرر مع خصمه ما ذاقه بالأمس، يتغير موقع المظلوم والظالم، ويستمر الصراع بثوب جديد، ويبقى العراق في المكان نفسه.
وحين تنتقل هذه الدورة من الحكم إلى المجتمع، تتحول الطائفة والقومية إلى أدوات لحماية النفوذ وتحصيل المكاسب، ويُنسى الآخرون في زحمة الثنائيات، عندها يصبح العراق غنيمة دسمة لمن يعرف استثمار انقساماته، ويرى كل طرف نفسه الأحق بها، بينما يتراجع معنى الشراكة ويضيق الوطن داخل حدود الجماعة.
وفي هذا الانقسام تجد القوى الإقليمية منفذاً إلى الداخل، فتتداخل مصالحها مع تناقضات العراق، ويزداد الصراع تعقيداً ، وتبقى الكراهية قابلة لإعادة الإنتاج كلما وجد خطاب يوقظها، بينما ينشغل العراقي بسؤال الانتماء : من معنا ؟ ومن علينا ؟.
لكن جذور المشكلة أعمق من الخارج، فأخطر ما فيها جهلٌ يرث الماضي دون أن يسائله، ويحوّل الميراث إلى عقيدة لا تناقش، ومن هنا تولد عقدة النقص التي تحجب الآخر، وتجعل من التساؤل خيانة، ومن الشك عيباً.
لذلك يحتاج العراق إلى شجاعة النظر في تاريخه بعين ناضجة، نقرأه لنفهم لا لنتهم، ونحفظ ذاكرته دون أن نجعلها حكماً على حاضرنا، فما مضى انقضى، والتاريخ مكانه الذاكرة، أما الحاضر والمستقبل فمسؤولية من يعيشهما.
أما الأجيال الجديدة، فتحتاج إلى ذاكرة تعرف الحقيقة ، وعقل يتسع للآخر، ووطن أكبر من الطائفة والقومية والمذهب، تمضي به إلى الأمام بعيداً عن عقلية العنصر الأسمى وخطابات التحريض والعنف.
عندها تصبح المظلومية ذاكرة لا مشروعاً للانتقام ، ويصبح التاريخ معرفة لا سلاحاً، وتصبح السلطة مسؤولية لا غنيمة.
فمتى يملك العراقي أخيراً شجاعة أن يبدأ ؟.