كيف احتلوا عقلك قبل أرضك؟

ياسين الحديدي

لماذا جدك في بغداد والبصرة والقاهرة كان يلبس بدلة وربطة عنق في عز الحر. لماذا تشرب الشاي بالحليب. لماذا تتكلم إنجليزي في المطار حتى لو كنت مسافرا إلى تركيا. الجواب ليس صدفة. الجواب هو أخطر خطة تسويق في تاريخ البشرية. اسمها الإمبراطورية البريطانية.

أولا: الإمبراطورية لم تكن جيشا، كانت شركة
كل الإمبراطوريات قبل بريطانيا كانت تقول سنغزوكم. بريطانيا قالت سنبيع لكم. شركة الهند الشرقية لم تكن دولة، كانت شركة أسهم في لندن. كان عندها جيشها الخاص أكبر من جيش بريطانيا نفسها، وعملتها الخاصة، وقضاتها الخاصون. كانت تربح أكثر من ميزانية بريطانيا كلها.

اكتشفوا المعادلة. لا تحتاج أن تحتل الأرض إذا جعلت صاحب الأرض مدمنا على بضاعتك. الهند كانت تصنع أجمل قماش في العالم. بريطانيا منعت قماش الهند في لندن بالقانون، ونسخت القماش في مصانع مانشستر، وباعته للهنود أرخص من قماشهم. خلال 30 سنة دمرت صناعة الهند التي عمرها ألف سنة، وحولت 200 مليون حائك هندي إلى مزارع قطن يزرعون القطن لبريطانيا. هذا ليس احتلال، هذا تحويل شعب كامل إلى مورد ومستهلك.

ثانيا: سلاح الاسم والخريطة
لماذا تسميها الشرق الأوسط. هل هو شرقك أنت. لا. هو شرق لندن. لماذا تسميه الشرق الأدنى والشرق الأقصى. قريب وبعيد عن من. عن لندن. بريطانيا وضعت نفسها في منتصف الخريطة. وضعت خط الصفر في غرينتش في لندن. التوقيت صفر في لندن. الخريطة التي تدرسها في المدرسة في بغداد رسمها بريطاني وجعل بريطانيا في الوسط.

حتى اللغة. لم يجبروا أحدا على تعلم الإنجليزية بالقوة. جعلوها لغة الوظيفة. تريد أن تكون قاضيا في الهند أو موظف جمارك في البصرة أو ضابطا في الجيش المصري. يجب أن تتكلم الإنجليزية. تريد أن تترقى. يجب أن تلبس مثلهم وتفكر مثلهم. الإمبراطورية لم تصنع عبيدا، صنعت نسخا صغيرة منها.

ثالثا: كيف حكموا العراق بدون جنود
في عام 1920 ثار العراق على بريطانيا. قتلوا حاكمهم. بريطانيا فهمت أن الجيش مكلف. فغيرت الخطة. جاءت بشابه عمرها 25 سنة اسمها جيرترود بيل. لا تحمل سلاحا، تحمل خريطة وقاموس. هي من رسمت حدود العراق والأردن والكويت على طاولة في القاهرة عام 1921 بقلم رصاص. هي من اختارت فيصل ملكا على العراق لأنه يتكلم الإنجليزية ويحب الشاي.

لم يحكموا العراق بمئة ألف جندي. حكموه بمدرسة واحدة. دار المعلمين في بغداد. من يتخرج منها يصبح مدير ناحية ويلبس بدلة ويشرب شاي ليبتون ويحكم باسمه هو لكن بعقل لندن. هذا يسمى الحكم غير المباشر. تترك الواجهة عراقية والعقل بريطاني.

رابعا: لماذا تركت بريطانيا الإمبراطورية وهي تبتسم
كل الإمبراطوريات هربت. بريطانيا لم تهرب. هي باعت. عام 1945 كانت مفلسة تماما. لكنها كانت تملك أهم شيئين. الدولار الأمريكي مربوط بالجنيه، والتأمين البحري في العالم كله في لندن. قالت لأمريكا خذي القواعد العسكرية وخذي الهند لكن اتركي لي البنوك والتأمين والقانون واللغة.

وهذا ما حدث. استقلال الهند عام 1947 لم يكن هزيمة لبريطانيا، كان نقل مقر. الجيش خرج، لكن شركة Unilever وبنك HSBC وشركة BP وشركة لويدز للتأمين بقيت. لندن اليوم لا تملك الهند، لكنها تؤمن سفن الهند وتقاضي شركات الهند وتحكم في تحويلات الهند.

الإمبراطوريات القديمة كانت تحتل الأرض وتترك المباني. الإمبراطورية البريطانية احتلت العقل وتركت النظام. اسأل نفسك. لماذا بدلتك لها ربطة عنق. لماذا مباراة كرة القدم 90 دقيقة. لماذا المطار فيه جوازات. لماذا الشاي في بيتك. لماذا تتكلم إنجليزي عندما تريد أن تبدو مثقفا.

كل هذه ليست ثقافتك. هذه بقايا نظام صمم في غرفة صغيرة في لندن ليجعلك تستهلك وتعمل بنفس الطريقة من بغداد إلى بومباي إلى لاغوس. الإمبراطورية لم تمت. هي فقط غيرت اسمها إلى العولم

المصادر:
منشور حيدر الشمري في صفحته ع

قد يعجبك ايضا