وداعاً لمن منحت “قامشلو العشق” دفء حنجرتها.. الأوساط الفنية تنعى الأيقونة كلستان سوباري

هورين حسن

ليس رحيل الفنانة الكردية القديرة “كلستان سوباري” مجرد غياب عابر لقامة مسرحية وغنائية فذة، بل هو انكسار لمرآة دافئة لطالما انعكست عليها ملامح وتفاصيل تراب الوطن وأوجاعه.
ففي منافي الغربة الباردة بمدينة بوخوم الألمانية، ترجلت حارسة النبرة الشجية وصاحبة الحنجرة التي صِيغت من طين الدرباسية وعشق قامشلو، لتترك الساحة الثقافية الكردية والسورية في مواجهة فراغ هائل لا يملؤه سوى صدى صوتها المتردد في الوجدان
وعلى مدار أكثر من أربعين عاماً من العطاء الملتزم، لم تكن الراحلة مجرد عابرة في ملكوت الفن؛ بل كانت صوتاً للهوية، وجسراً ممتداً بين جمر الوطن وصقيع المغترب.
برحيلها، يفقد المسرح الغنائي والدراما الكردية ركيزة أساسية شكلت معالم زمن فني جميل، وتطوى صفحة من صفحات النضال بالكلمة والنغمة والإحساس، لتظل الأجيال تتساءل كيف لجسد أن يغيب في ألمانيا بينما يظل صوته الدافئ حياً ينبض في أزقة قامشلو كأنه لم يغادرها أبداً؟
أربعة عقود من العطاء.. حكاية موهبة صقلتها خشبات المسرح
بدأت الفنانة الراحلة، رحلتها الفنية الشاقة والمميزة عام 1984، في زمن كان فيه العمل الفني الثقافي الكردي محاطاً بالكثير من التحديات والمصاعب.
ولم تكن مسيرتها الفنية مجرد موهبة فردية، بل تحولت إلى ملحمة عائلية وإبداعية مشتركة، عندما ارتبطت شريكة حياة ودرب بالكاتب والمخرج المسرحي القدير، عادل إسماعيل.
شكّل الثنائي معاً ركيزة أساسية من ركائز المسرح الكردي، وأثمر هذا الزواج عن عائلة مترابطة من ثلاثة أبناء بالإضافة إلى رصيد مسرحي مبهر كانت ذروته مسرحية المونودراما الشهيرة “نسرين”، التي جسدت فيها الراحلة دور البطولة المطلقة ونالت عنها جائزة أفضل ممثلة، مبرهنة على قدرات تمثيلية وتعبيرية خارقة.
شجن النغم الأصيل.. عندما تمنح الحنجرة الدافئة روحاً لـقامشلو العشق
إذا كان المسرح قد صقل شخصيتها القوية على الخشبة، فإن الغناء كان بوابتها السحرية إلى أرواح الناس.
تميزت كلستان سوباري بـصوتها الدافئ والشجي؛ صوت يحمل بين طياته بحّة الحنين، وعطر تراب الوطن، وبساطة الأمهات.
وفي مسيرتها الغنائية، يظل أداؤها الفريد للأغنية الفلكلورية “قامشلوكا أفيني” (Qamişloka Evînê – قامشلو العشق) علامتها الفارقة في قلوب الجماهير.
وعلى الرغم من كون الأغنية من الموروث المشترك، إلا أن شجن صوتها حوّل هذه الأغنية في أذهان المستمعين إلى ما يشبه النشيد الوجداني الذي يتغنى به أبناء المنطقة في الداخل والخارج تعبيراً عن حبهم للجذور.
أنين المغترب.. أنوار الفن لا تطفئها برودة المنافي
بسبب ظروف الأزمة والحرب القاسية في سوريا، واجهت كلستان سوباري، كغيرها من النخب الفكرية والفنية، مرارة الهجرة واللجوء، وغادرت سوريا برفقة عائلتها لتستقر في مدينة بوخوم الألمانية.
لكن الغربة لم تكسر من شغفها الفني؛ بل تحولت منافي أوروبا إلى منصة جديدة لنشر ثقافتها وأوجاع شعبها. شاركت الراحلة بفاعلية كبيرة في عشرات المهرجانات، الأمسيات الثقافية، والفعاليات الغنائية في مختلف المدن الأوروبية، حاملةً في جعبتها قضايا الحرب، لجوء الأطفال، وآلام الغربة، فكانت صوتاً للمكلومين والمهجّرين.
ختاماً، في زمنٍ شحيحٍ بالأصالة، انطفأت اليوم شمعة مضيئة من شموخ المسرح والكلمة الصادقة، وغاب الجسد مخلفاً وراءه إرثاً لا يطويه النسيان.
غير أن الحكايات الاستثنائية لا تنتهي بموت أصحابها؛ فكلما مرّ طيف المغتربين بأزقة الذكريات، وكلما صدحت الألحان بالحنين إلى البيوت الأولى، سيعود صوت كلستان سوباري دافئاً و حياً وعابراً للمنافي.
ليبقى ملاذاً آمناً لكل القلوب التي تنبض بالوفاء للوطن ولتظل حنجرتها الشجية شاهداً أبدياً على زمن فني لا يموت.
لم تكن كلستان مجرد فنانة تؤدي دوراً أو تغني لحناً، بل كانت حارسةً لوفاء الأمهات وأصالة الجذور وصوتاً نادراً اختزل شجن الوطن وغربته، ليتحول طوال سنوات حياتها إلى ملاذٍ آمنٍ تبكي فيه القلوب المغتربة حنينها الأبدي.

قد يعجبك ايضا