د. هلكورد عزيزخان عقراوي
لم تكن خواكورك في عام 1988 مجرد معركة عسكرية عابرة في تاريخ الثورة الكوردية، بل كانت ملحمة تاريخية ومواجهة مصيرية اختُبرت فيها إرادة الإنسان أمام آلة عسكرية ضخمة، وفي تلك الجبال الشامخة وقفت قوات البيشمركة بقيادة الزعيم مسعود البارزاني في مواجهة جيش يمتلك التفوق في العدد والعتاد والطيران والمدفعية، لكن ذلك التفوق لم يكن كافياً لكسر إرادة المقاتلين الذين آمنوا بقضيتهم واستعدوا للدفاع عنها حتى النهاية. لقد وقفت الأنظار العالم أمام تلك المعركة مذهولة من حجم المواجهة وعدم التكافؤ في الإمكانات، فالقوات العراقية بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية جمعت بكل ما لديها من قوة، في محاولة لإنهاء وجود قوات البيشمركة في منطقة خواكورك ذات الأهمية الاستراتيجية في المثلث الحدودي بين عراق وإيران وتركيا، وكانت المفاجأة أن القوة العسكرية الهائلة اصطدمت بإرادة لم تستطع الطائرات والمدافع كسرها، وهنا تحولت خواكورك من معركة في الجبال إلى درس في التاريخ العسكري والسياسي؛ درس يؤكد أن نتيجة المواجهات لا تحددها الأسلحة وحدها وإنما تصنعها القيادة الحكيمة والمعنويات والصبر والإيمان بالقضية.
كان المشهد في خواكورك استثنائياً بكل المقاييس قوة عسكرية كبيرة تحاول اقتحام منطقة جبلية، ومقاتلون من البيشمركة يتمسكون بمواقعهم رغم القصف والهجمات المتواصلة، لقد كان العالم أمام صورة تختصر معنى الصمود، فئة قليلة في مواجهة قوة أكبر منها بكثير لكنها ترفض الاستسلام، إما (الشهادة أو النصر) ولذلك بقيت خواكورك في الذاكرة الكوردية باعتبارها واحدة من المعارك التي أظهرت أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة التفوق في الإرادة.
الزعيم مسعود بارزاني.. قيادة صنعت الفارق
وفي قلب هذه الملحمة يبرز الدور القيادي للرئيس مسعود بارزاني، في ساحة المعركة والإشراف المباشر على مجرياتها، وبالعمل على رفع معنويات البيشمركة وتعزيز قدرتهم على الصمود في واحدة من أصعب مراحل المواجهة عندما تبدو الظروف في ظاهرها مستحيلة.
وكانت الرسالة واضحة لا تنظروا إلى حجم السلاح الذي يمتلكه الخصم، بل انظروا إلى قوة إرادتكم وإيمانكم بقضيتكم ولعل أفضل تعبير عن فلسفة تلك المواجهة هو قوله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾. فخواكورك قدمت النموذج الحي لمعنى هذه الآية في الوجدان الشعبي؛ فالمقاتلون لم يدخلوا المواجهة وهم يملكون السلاح الأقوى وإنما دخلوا وهم يملكون الإرادة الأقوى، كانوا يعرفون أن المعركة صعبة وأن الخصم يمتلك قوة نارية هائلة لكنهم كانوا مقتنعين بأن التراجع يعني ضياع القضية ولذلك كان خيارهم الصمود، حافظت البيشمركة على أمل شعب كوردستان، من خلال توجيه ضربة قوية للعدو على الرغم من عدم التكافؤ في القوة العسكرية والاسلحة والعتاد.
الزعيم مسعود بارزاني.. القائد الذي كان في قلب المعركة
وفي قلب هذه الملحمة يبرز دور الزعيم مسعود بارزاني، الذي قاد قوات البيشمركة في معركة خواكورك وأشرف بصورة مباشرة على المواجهة لكن أهمية القيادة الحقيقية تظهر عندما تكون الظروف قاسية وعندما يكون الخصم متفوقاً في القوة وعندما يصبح الحفاظ على معنويات المقاتلين أصعب من وضع الخطة العسكرية نفسها، فالبارزاني كان قريباً من مقاتليه يعرف ظروفهم ويدرك مخاوفهم ويمنحهم الثقة عندما تحاول قوة الخصم أن تزرع في نفوسهم الشعور بالعجز.
خطاب خواكورك.. من رفع المعنويات إلى قراءة المستقبل
غير أن القيمة الأعمق لخطاب الزعيم مسعود بارزاني في خواكورك لا تكمن في الجانب العسكري وحده، فعندما نعيد قراءة خطابه اليوم بعد مرور 38 عاماً، فإننا لا نسمع فقط صوت قائد يحاول رفع معنويات مقاتليه وإنما نلمس أيضاً محاولة لقراءة المستقبل السياسي للعراق والمنطقة، فبينما كانت المدافع والطائرات تشكل المشهد العسكري في خواكورك، كان هناك سؤال أكبر يشغل القيادة: إلى أين يتجه العراق؟ وماذا ستكون نتائج الحرب الطويلة؟ وهل يمكن للنظام القائم أن يستمر بالأساليب نفسها؟ وما الذي ستنتجه التغيرات الإقليمية والدولية المقبلة؟
إن قراءة خطاب بارزاني اليوم في ضوء الأحداث التي وقعت بعد ذلك، تجعلنا أمام تجربة جديرة بالتأمل في الاستشراف السياسي، فبعد فترة قصيرة من خواكورك، دخل العراق مرحلة جديدة من الأزمات والتحولات؛ إذ غزا الكويت عام 1990، ثم اندلعت حرب الخليج، وفي عام 1991 حدثت الانتفاضة الكوردية، ثم بدأت مرحلة جديدة في كوردستان، قبل أن يصل العراق عام 2003 إلى التحول الأكبر بسقوط نظام الدكتاتوري، فإن ما كان يبدو في عام 1988 مجرد تحليل للمستقبل أصبح، مع مرور السنوات، جزءاً من سلسلة الأحداث التي أعادت تشكيل العراق والمنطقة، فإن قيمة خطاب خواكورك لا ينبغي أن تُقرأ فقط من خلال ما قاله في لحظة الحرب، وإنما من خلال القدرة على ربط الحاضر بالتحولات التي يمكن أن يحملها المستقبل، المقاتل كان يسمع خطاباً عن الصمود.. والقائد كان يرى ما وراء المعركة وفي الأشهر والسنوات التي ستأتي بعدها.
وهنا يلتقي القائد العسكري والاستراتيجية السياسية، في رفع المعنويات وإدارة المواجهة وقراءة الاتجاهات والتحولات السياسية، في واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخ العراق الحديث.
في الخاتمة، بعد 38 عام، ما زالت معركة خواكورك تقف شامخة في الذاكرة لقد حاولت القوة العسكرية أن تحسم المعركة بالسلاح، لكن البيشمركة واجهوها بالإرادة والصمود والمعرفة والقيادة، ليست قوة السلاح وحدها هي التي تصنع التاريخ؛ بل إن إرادة الإنسان عندما تقترن بالقيادة الحكيمة والإيمان بالقضية تستطيع أن تغير معادلات تبدو مستحيلة. وكان الزعيم مسعود بارزاني في قلبها القائد والمخطط والبيشمركة، وفي خطابه ظهرت محاولة لقراءة ما وراء اللحظة العسكرية نحو مستقبل العراق والمنطقة واليوم، ونحن نستعيد تلك الكلمات بعد أربعة عقود تقريباً تبدو خواكورك أكثر من مجرد ذكرى تاريخية، إنها ذاكرة شعب ودرس في القيادة وشهادة على التضحية ورسالة إلى الأجيال بأن السلاح قد يمتلك القوة لكن الإرادة هي التي تمنحه أو تسلبه القدرة على صناعة النصر. لقد كان البارزاني ينظر إلى ما وراء الجبال التي تدور فيها المعركة، كان يرى أن المعركة الحقيقية ليست فقط بين البيشمركة والجيش العراقي، وإنما هناك معركة أكبر تتشكل في المنطقة وأن التوازنات القائمة لن تبقى على حالها.
رحم الله شهداء خواكورك وشهداء كوردستان، الذين وقفوا في وجه القوة العسكرية للدفاع عن كوردستان.