مناف حسن
قبل يومين ظهرت فتاة تركمانية أمام قلعة أربيل عاصمة إقليم كوردستان وهي ترتدي ملابس تحمل ألوان ورموز العلم التركماني وتصور نفسها في فيديو طويل وسط المواطنين الكورد ثم تنشر الفيديو من دون أن يمنعها أحد أو يتعرض لها أحد بسوء فهذا المشهد برأيي يستحق أن نتوقف عنده قليلاً.
قد يرى البعض في هذا التصرف نوعاً من الاستفزاز للكورد خصوصاً أن المكان هو قلب هولير وعاصمتهم التاريخية وقد يختلف الناس في تفسير الرسالة التي أرادت الفتاة إيصالها. لكن الأهم من التصرف نفسه هو رد فعل المجتمع والدولة.
لم يمنعها أحد من التعبير عن هويتها ولم تتدخل الأجهزة الأمنية لإيقافها ولم يتعرض لها المواطنون بالعنف رغم أن بامكانهم البعض اعتبار ما قامت به استفزازاً.
ففي دهوك وفي كل عام يحتفل أبناء شعبنا الآشوري بعيدهم القومي أكيتو وتخرج المسيرات في شوارع المدينة ويرتدي المشاركون أزياءهم القومية ويرفعون أعلامهم ورموزهم وشعاراتهم ويحتفلون بهويتهم وتراثهم أمام الجميع وبحرية. وقد شهدت دهوك في السنوات الماضية احتفالات جماهيرية واسعة بهذه المناسبة
وهنا تظهر قيمة مهمة من قيم الحياة في كوردستان ،، أن تكون مختلفاً وأن تعبر عن هويتك لا يعني بالضرورة أنك عدو للآخر.
كوردستان ليست للكورد وحدهم في الحقوق والعيش الكريم بل هي بيت لكل من يعيش فيها من جميع القوميات والمذاهب والاديان من تركمان ومسيحيين وإيزيديين وشبك وعرب وغيرهم. ومن الطبيعي أن يعتز كل مكون بلغته وثقافته ورموزه ما دام ذلك لا يتحول إلى تحريض على الكراهية أو العنف.
والأجمل أن قوة الكورد لا يجب أن تقاس بمدى قدرتهم على منع الآخرين من رفع رموزهم وإنما بمدى ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على احترام الآخرين.
وفي المقابل هناك تجارب في دول المنطقة تجعلنا نتساءل لماذا يستطيع الإنسان في كوردستان أن يظهر هويته القومية والدينية والثقافية بحرية بينما قد يخشى في أماكن أخرى حتى من صورة أو منشور أو رمز يتعلق بالهوية الكوردية؟
حتى إن بعض الكورد عند سفرهم إلى تركيا يتعاملون بحذر شديد مع ما هو موجود في هواتفهم من صور أو مقاطع تتعلق بكوردستان أو العلم الكوردي خوفاً من سوء الفهم أو المساءلة. وقد شهدنا في حالات مختلفة توترات ومضايقات طالت مواطنين وصحفيين بسبب رموز أو تعبيرات مرتبطة بالهوية الكوردية.
لا أكتب هذا لأهاجم تركيا أو الشعب التركي ولا لأقول إن كوردستان وصلت إلى مرحلة الكمال في مجال الحريات. فكل مجتمع لديه أخطاؤه وتحدياته وكوردستان أيضاً بحاجة إلى المزيد من ترسيخ الحريات وحقوق الإنسان.
لكنني أقول إن علينا أن نرى الإيجابيات أيضاً.
فهذا المشهد البسيط أمام قلعة أربيل يمكن أن يكون رسالة أكبر من الفيديو نفسه ..
أن احترام هوية الآخر لا ينتقص من هويتنا وأن قوة المجتمع تظهر عندما يستطيع المختلف أن يعبر عن نفسه من دون خوف.
هولير اليوم ليست مجرد عاصمة سياسية لكوردستان بل مدينة يعيش فيها أبناء قوميات وأديان ومكونات متعددة وكلما نجحنا في حماية حق الجميع في التعبير عن هويتهم أثبتنا أن كوردستان تستطيع أن تكون نموذجاً للتعايش واحترام التنوع في المنطقة.
الكورد لا يخافون من ألوان الآخرين لأنهم يعرفون ألوان علمهم جيداً.
والحرية التي نطالب بها للكوردي في كل مكان يجب أن نمارسها ونحميها أيضاً لكل من يعيش بيننا.
هذه هي كوردستان التي نريدها قوية بهويتها واثقة بنفسها ومحترمة للآخر …….