سردار علي سنجاري
ليس كل من يرحل يغيب، فهناك رجال يختفون عن أعيننا، لكنهم يبقون حاضرين في ذاكرة الوطن والأمة وفي ضمير الذين عرفوا قيمة التضحيات التي قدموها. ومن هؤلاء الرجال كان والدي، المناضل علي سنجاري ( ابو سردار ) كما كان يلقب بين رفاقه او ( كاكا علي ) أحد الرجال الذين عاشوا حياتهم من أجل قضية آمنوا بها، وشعب أحبوه، وقيادة أخلصوا لها حتى آخر العمر.
اليوم ونحن نستذكر الذكرى السادسة على رحيله لابد لنا ان نقف عند سيرته السياسية الممزوجة بالتضحيات والإخلاص والوفاء والنزاهة . لم يكون والدنا علي سنجاري إلا واحداً من ابناء الحركة الكوردية الذي اختار طريق النضال في زمن لم يكن فيه الطريق سهلا ولا امناً. في تلك الحقبة الزمنية من تاريخ شعبنا الكوردي لم يكن الثوار يبحثون عن منصب ولا عن مكسب شخصي ولم يجعلوا من نضالهم وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية. بل كانوا رجال عاهدوا الله تعالى ان يخلصوا لشعبهم وقضيتهم بشجاعة . في تلك الظروف عندما كان الانتماء إلى القضية يعني التضحية والمواجهة والمخاطرة كان علي سنجاري حاضرا وحين احتاجه الحزب الذي انتمى اليه مبكرا لم يكن من اولئك الذين يتراجعون او ينتظرون النتائج بل كان يتقدم الصفوف بما امتلكه من شجاعة وإيمان واخلاص وثقة بنهج البارزاني الخالد . كان يؤمن بأن القيادة مسؤولية وليست امتيازاً، وأن النضال واجب وليس وسيلة للشهرة. ولذلك عاش بسيطاً في حياته، كبيراً في مواقفه، وفياً لرفاقه، ومخلصاً لقيادته وشعبه .
عندما اندلعت ثورة أيلول عام 1961، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة من المواجهة السياسية والعسكرية مع الحكومات العراقية المتعاقبة. وكانت الثورة واحدة من أهم محطات التاريخ الكوردي الحديث، وشهدت معارك واسعة وتحولات سياسية ومفاوضات واتفاقات، فضلاً عن مراحل من التقدم والتراجع. وخلال هذه المرحلة، كان علي سنجاري حاضراً في صفوف الحركة الكوردية، حيث شارك في العمل النضالي والعسكري، وتولى مسؤوليات ميدانية، وقاد عدداً من العمليات والمعارك الناجحة بحسب ما تحتفظ به ذاكرة رفاقه في الثورة . لقد كان من الرجال الذين لم يكتفوا بالعمل السياسي بعيداً عن ساحات المواجهة، بل جمعوا بين المسؤولية الحزبية والحضور الميداني.
لم يكن علي سنجاري سياسياً بعيداً عن الميدان، كما لم يكن مقاتلاً يفتقر إلى الرؤية السياسية. لقد جمع بين العمل السياسي والعمل العسكري والإداري وتسلم قيادة فروع الحزب الديموقراطي الكوردستاني بمراحل متعددة وكان حاضراً في المراحل الصعبة التي مرت بها الحركة الكوردية . وبسبب نشاطه وإخلاصه تم الحكم عليه بالإعدام غيابيا اكثر من مرة . وقد شارك في قيادة المعارك والعمليات التي حققت نجاحات مهمة، وأظهر خلالها شجاعة وقدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. وقد عرفه رفاقه رجلاً ثابتاً في المواقف، لا يتراجع أمام الصعوبات ولا يساوم على المبادئ التي آمن بها.
كان علي سنجاري مقرباً من القائد الخالد الملا مصطفى بارزاني. وقد نشأت هذه العلاقة في إطار سنوات طويلة من العمل المشترك والنضال والثقة المتبادلة. إن القرب من الخالد الملا مصطفى بارزاني لم يكن مجرد علاقة شخصية، بل كان يمثل مسؤولية سياسية ونضالية كبيرة، خصوصاً في مرحلة كانت فيها القيادة الكوردية تعمل في ظروف عسكرية وسياسية شديدة التعقيد. وقد بقي علي سنجاري وفياً لنهج الملا مصطفى بارزاني وللمبادئ التي قامت عليها الحركة التحررية الكوردية. كما كانت تربطه علاقات نضالية وسياسية وإنسانية بقيادات بارزانية بارزة، وفي مقدمتهم الرئيس مسعود بارزاني والراحل الشهيد إدريس بارزاني. وقد امتدت هذه العلاقات عبر سنوات طويلة، وشهدت مراحل النضال والصعوبات والانتصارات والانتكاسات .
لم يكن علي سنجاري مقاتلاً وقائداً سياسياً فقط، بل كان أيضاً كاتباً وطنياً وسياسياً. لقد آمن بأن النضال لا يقتصر على البندقية، وأن الكلمة الصادقة جزء من المعركة من أجل الوعي والتاريخ. وكان اهتمامه بالكتابة تعبيراً عن وعي سياسي وتجربة طويلة عاش خلالها أحداثاً وتحولات كبرى. ومن هنا، فإن جمع كتاباته ومقالاته وآرائه السياسية يمثل ضرورة تاريخية، لأنها قد تحتوي على شهادات مهمة حول مراحل من تاريخ الحركة الكوردية. إن إرثه المكتوب يمكن أن يشكل مصدراً مهماً للأجيال الجديدة والباحثين في تاريخ الحركة الكوردية .
لكن، ومع كل هذا التاريخ، لا يمكن لنا في الذكرى السادسة لرحيله أن نتجاهل حقيقة مؤلمة. فبعد وفاة والدنا علي سنجاري، لم تحظَ سيرته السياسية والنضالية بالاهتمام والتوثيق والتكريم الذي يليق برجل قضى معظم حياته في خدمة الحركة الكوردية. لم تُسلط الأضواء بما يكفي على سنوات نضاله الطويلة، ولا على مسؤولياته الحزبية والعسكرية، ولا على دوره في الأحداث والمعارك التي شارك فيها.
والأكثر إيلاماً أن هذا الإهمال لم يقتصر على سيرته وحدها، بل امتد أيضاً إلى عائلته التي عاشت معه سنوات النضال والتضحية وتحملت تبعات اختياراته الوطنية والسياسية . وقد تحملت عائلتنا سنوات من القلق والانتظار والصعوبات، وشاركت بصورة أو بأخرى في مسيرة النضال من أجل القضية الكوردية .
إن الشعوب التي تحترم تاريخها لا تسمح بأن تضيع أسماء الرجال الذين ساهموا في صنعه. وشعبنا الكوردي عرف عنه انه من الشعوب التي لا تنسى رجالها او قادتها ومناضليها فالتاريخ لا يُكتب فقط بأسماء الذين بقوا في مواقع السلطة، ولا بأسماء الأكثر ظهوراً في وسائل الإعلام، وإنما يُكتب أيضاً بجهود أولئك الرجال الذين عملوا بصمت، وقادوا في ظروف صعبة، وقدموا الكثير دون أن ينتظروا مقابلاً وعلي سنجاري واحد من هولاء .
في الذكرى السادسة لرحيل والدنا لا نكتب عنه لنستعيد الماضي فقط، بل نكتب حتى لا يُنسى الماضي. نكتب لأن الأجيال الجديدة يجب أن تعرف أن هناك رجالاً سبقوها في حمل راية القضية، وأن ما نعيشه اليوم من مكاسب لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة سنوات طويلة من النضال والتضحيات .
وفي الذكرى السادسة لرحيلك، فإننا نعد بأن تبقى سيرتك حية، وأن نواصل جمع الوثائق والشهادات والذكريات، حتى تأخذ مكانها الصحيح في تاريخ الحركة الكوردية .