نبيل عبد الأمير الربيعي
ثمة حقيقة ينبغي أن تقال اليوم من دون مساحيق سياسية ولا مجاملات اجتماعية: العراق لم يفقد هويته الوطنية صدفة، ولم تستيقظ الطائفية ذات صباح لتحتل وجدان العراقيين؛ لقد جرى تحويلها إلى نظام سياسي، وإلى وسيلة لإنتاج السلطة، وإلى سوق لتوزيع المناصب والنفوذ والثروة.
منذ عام 2003، لم تكن المأساة أن العراقيين اكتشفوا اختلافهم؛ فهذا الاختلاف قديم، وكان يمكن أن يكون مصدر غنى وقوة. المأساة أن الطبقة السياسية حولت هذا الاختلاف إلى محاصصة، والمحاصصة إلى سلطة، والسلطة إلى غنائم، والغنائم إلى منظومة مصالح تدافع عن بقائها بشعارات الطائفة والقومية والمظلومية. وهكذا حدث ما كان ينبغي ألا يحدث: صار العراق دولة لمكونات سياسية، بدلاً من أن يكون دولة لمواطنين. وهنا تحديداً بدأت قصة الانهيار الطويل.
ليس العيب في أن يكون العراقي متديناً، ولا في أن ينتمي إلى مذهب أو قومية أو جماعة ثقافية. العيب أن يتحول هذا الانتماء إلى بطاقة سياسية. عندما يصبح المذهب معياراً للتمثيل، والقومية مفتاحاً للمنصب، والانتماء الحزبي طريقاً إلى الوظيفة، يصبح المواطن مضطراً إلى البحث عن جماعة تحميه قبل أن يبحث عن دولة تحميه. وهذه هي الطائفية السياسية في أبشع صورها. فهي لا تكتفي بتقسيم صناديق الاقتراع، بل تعيد تشكيل عقل الإنسان. تعلمه أن يسأل أولاً: (من أي جماعة هذا الرجل؟) بدلاً من أن يسأل: (ماذا فعل؟), وتجعله يقول: (إنه فاسد، نعم، لكنه منا). وكأن الفساد يصبح أقل فساداً عندما يرتدي عباءة الجماعة! وهنا لا تعود الطائفية مجرد مشكلة سياسية، بل تتحول إلى فساد في الضمير العام.
لقد جرى تسويق المحاصصة في بداياتها باعتبارها نوعاً من (التوافق الوطني). لكن التوافق الذي لا ينتهي إلى دولة عادلة يتحول إلى صفقة. والصفقة حين تصبح قاعدة للحكم تتحول إلى نظام. وهكذا صار لكل طرف نصيبه، ولكل حزب حصته، ولكل جماعة نفوذها، ولكل زعيم شبكة مصالحه. أما المواطن، فكان نصيبه الانتظار: انتظار الوظيفة، انتظار الخدمات، انتظار الكهرباء، انتظار العدالة، انتظار محاسبة الفاسدين، وانتظار دولة قيل له إنها ستأتي يوماً.
لكن الدولة التي تقوم على المحاصصة لا تستطيع أن تكون دولة كاملة؛ لأنها تصبح رهينة لمن يقتسمونها. فالذي يملك الحصة لا يريد دولة قوية؛ يريد دولة تضمن حصته. وهنا تكمن إحدى أخطر معضلات العراق. دولة ضعيفة… وأحزاب قوية
عندما تصبح الأحزاب أقوى من مؤسسات الدولة، تتحول الدولة إلى واجهة. وعندما تكون للجماعة السياسية مؤسساتها وشبكاتها ومصالحها وامتداداتها، يصبح القانون قابلاً للتفاوض. ومن هنا نشأ ذلك الشعور المرير لدى المواطن بأن هناك قانونين: قانوناً للمواطن العادي، وقانوناً آخر لأصحاب النفوذ. وحين يرى المواطن أن مسؤولاً يستطيع الإفلات من المساءلة، وأن صاحب الواسطة يستطيع اختصار الطريق، وأن الفاسد يستطيع أن يتحول إلى حامٍ للفقراء، فمن الطبيعي أن تتآكل ثقته بالدولة. وحين تتآكل الثقة بالدولة، يبدأ المواطن بالبحث عن بديل. وهنا تعود العشيرة والطائفة والحزب والزعيم. فتدور الدائرة: ضعف الدولة يقوي الجماعة، وقوة الجماعة تضعف الدولة.
الأكثر خطورة من الطائفية الداخلية هو أن تتحول بعض القوى السياسية إلى امتدادات لمشاريع إقليمية. هنا ينبغي أن نكون واضحين: من حق أي دولة أن تبحث عن مصالحها. لكن ليس من حق أي قوة سياسية عراقية أن تجعل مصلحة دولة أخرى معياراً لموقفها من العراق.
لا يصبح التدخل الإيراني وطنياً لأنه يخدم جماعة عراقية. ولا يصبح التدخل الأميركي وطنياً لأنه يخدم جماعة أخرى. ولا يصبح التدخل التركي أو الخليجي أو غيره مشروعاً لمجرد أن طرفاً عراقياً يراه مفيداً لمصالحه. العراق ليس ساحةً لتصفية الحسابات بين الآخرين. ومن يضع مصلحة الخارج قبل مصلحة بلده لا يستطيع أن يطالب الناس بتصديق حديثه عن السيادة. فالسيادة ليست كلمة ترفع في الخطب، ثم تخفض عندما تتعارض مع مصالح الحلفاء. السيادة موقف، والولاء للوطن امتحان، ومن يفشل فيه لا تنقذه كثرة الأعلام التي يرفعها.
ليست كل مصائب العراق صناعة خارجية. هذه حقيقة ينبغي الاعتراف بها بشجاعة، إيران ليست وحدها مسؤولة، وأميركا ليست وحدها مسؤولة، وتركيا ليست وحدها مسؤولة، وودول الخليج ليست وحدها مسؤولة. المسؤولية الأولى تقع على عراقيين سمحوا لهذه القوى بأن تجد موطئ قدم داخل القرار العراقي.
الخارج لا يدخل دائماً بالقوة، أحياناً يدخل بطلبٍ عراقي، ويدخل حين يبحث السياسي عن حليف خارجي يحميه من خصمه الداخلي، وحين تبحث الجماعة عن دعم إقليمي لتعزيز نفوذها، وحين يصبح الانتماء السياسي أهم من الانتماء الوطني. وهكذا يتحول العراق إلى طاولة تتقابل حولها مشاريع الآخرين، بينما يجلس العراقيون على الهامش يتجادلون حول من يملك الطاولة!
السؤال الأكثر إحراجاً هو: لماذا يبدو الحديث عن العراق أحياناً أقل جاذبية من الحديث عن الطائفة والقومية؟ لماذا يستطيع بعض السياسيين حشد آلاف الناس باسم المذهب، بينما يعجزون عن حشدهم باسم الدولة؟ لماذا يصبح الدفاع عن زعيم سياسي أكثر حماسة من الدفاع عن مؤسسة الدولة؟ ولماذا يملك المواطن استعداداً للدفاع عن فاسد لأنه (منه)، بينما لا يملك الاستعداد نفسه للدفاع عن وطنه عندما يكون الوطن في مواجهة جماعته؟
هذه ليست أسئلة سهلة، لكنها ضرورية، لأن المشكلة ليست في السياسي وحده. السياسي الطائفي يجد جمهوراً طائفياً، والسياسي الفاسد يجد جمهوراً يبرر فساده، والسياسي المرتبط بالخارج يجد جمهوراً مستعداً للدفاع عن ارتباطه. ومن هنا فإن إصلاح الدولة يبدأ أيضاً بإصلاح الوعي.
كلما فشلنا في بناء الحاضر، فتحنا أبواب الماضي، كلما عجز السياسي عن تقديم مشروع للمستقبل، أعادنا إلى معركة تاريخية، كلما ارتفعت البطالة، تحدثوا عن التاريخ، كلما انهارت الخدمات، استُدعيت المظلومية، كلما انتشر الفساد، أعيد فتح جراح الماضي، وكأن العراقي مطالب بأن يعيش منذ قرون مضت كي لا يسأل عن الكهرباء والماء والعمل والتعليم والصحة والقضاء.
لكن التاريخ الذي يتحول إلى مخدر سياسي يصبح جزءاً من المشكلة، الأمم التي تنظر دائماً إلى الخلف قد تحفظ ذاكرتها، لكنها تفقد طريقها، والعراق لا يحتاج إلى المزيد من الحروب حول الماضي؛ يحتاج إلى معركة واحدة واضحة: كيف نبني دولة تستحق أن ينتمي إليها العراقي؟
الطائفي الأخطر ليس بالضرورة ذلك الذي يصرخ في المنبر أو يكتب خطاباً متشنجاً، أخطر الطائفيين هو السياسي الذي يتحدث عن الوحدة الوطنية صباحاً، ثم يوزع المناصب على أساس المحاصصة مساءً، هو الذي يرفع علم العراق أمام الكاميرات، ثم يستقوي بالخارج خلف الأبواب، هو الذي يلعن الفساد، لكنه يحمي الفاسد إذا كان جزءاً من تحالفه، هو الذي يتحدث عن الدولة، لكنه يبني دولة داخل الدولة، وهو الذي يطالب بالمواطنة عندما يكون خارج السلطة، ثم ينسى المواطن عندما يصل إليها. هذه هي الطائفية السياسية حين تتحول من خطاب إلى مؤسسة.
لا يمكن بناء وطن بعقلية الغنيمة، فالدولة ليست غنيمة حرب، والوزارة ليست حصة، والسفارة ليست مكافأة، والوظيفة العامة ليست إرثاً حزبياً، والمال العام ليس صندوقاً مفتوحاً للأحزاب، والعراق ليس شركة مساهمة تتوزع أسهمها بين القوى السياسية. هذه بديهيات، لكنها في العراق تحتاج إلى أن تقال بصوت مرتفع، لأننا إذا قبلنا بأن تكون الدولة غنيمة، فلا يحق لنا بعد ذلك أن نتساءل لماذا ينهشها الجميع.
المشكلة الأخطر أن هذا الوضع لا ينتج حاضراً سيئاً فقط؛ بل ينتج مستقبلاً بلا ملامح، جيل كامل يمكن أن يكبر وهو لا يرى الدولة بوصفها أباً قانونياً للجميع، وإنما بوصفها غنيمة تتقاسمها القوى، جيل يتعلم أن الحصول على حقه يحتاج إلى واسطة، وأن النجاح يحتاج إلى انتماء، وأن الوظيفة تحتاج إلى حزب، وأن الحماية تحتاج إلى جماعة، وأن الحقيقة نفسها يمكن أن تتغير بحسب الطائفة التي تتحدث منها. ماذا ننتظر من جيل كهذا؟ هل ننتظر منه أن يبني دولة؟ أم ننتظر منه أن يعيد إنتاج الخراب نفسه؟
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الوطنية العراقية، الوطنية ليست أن تحب العراق في الأغاني، وليست أن تضع العلم في صورة حسابك، وليست أن تكتب “العراق أولاً” في منشور على مواقع التواصل.
الوطنية الحقيقية تبدأ عندما يكون العراق أولاً عند تعارض مصلحة الوطن مع مصلحة الجماعة، أن ترفض الفاسد ولو كان من طائفتك، أن ترفض التدخل الخارجي ولو جاء من الدولة التي تتعاطف معها، أن تدافع عن خصمك حين يُظلم، أن تحترم المختلف عنك، أن تجعل القانون فوق الزعيم، وأن تجعل الدولة فوق الحزب، وأن تجعل الوطن فوق الطائفة. هذه هي الوطنية التي نحتاجها.
العراق يقف أمام سؤال تاريخي لا يحتمل المزيد من المراوغة: هل نريد دولة عراقية أم نريد حصصاً عراقية؟ هل نريد مواطناً أم تابعاً؟ هل نريد قانوناً أم واسطة؟ هل نريد سيادة أم ولاءات؟ هل نريد مستقبلاً أم إعادة تدوير الماضي؟ لقد آن الأوان لأن نتوقف عن خداع أنفسنا.
الطائفية السياسية ليست قدراً، والمحاصصة ليست قانوناً إلهياً، والولاءات الخارجية ليست بطولة، والفساد ليس شطارة، وتحويل الدولة إلى غنيمة ليس ديمقراطية. العراق أكبر من الطوائف التي تتصارع باسمه، وأكبر من الأحزاب التي تتحدث باسمه، وأكبر من الدول التي تحاول استخدامه ساحةً لنفوذها، لكن العراق لن يصبح أكبر منهم ما لم يستعد المواطن نفسه مكانته.
فحين يكون ولاء العراقي لطائفته أقوى من ولائه لدولته، يصبح الوطن هشاً. وحين يكون ولاؤه لزعيمه أقوى من ولائه للقانون، تصبح الدولة غائبة. وحين يكون ولاؤه للخارج أقوى من ولائه للعراق، تصبح السيادة مجرد لافتة. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين طائفة وطائفة، ولا بين قومية وقومية، المعركة بين المواطنة والمحاصصة، بين الدولة والغنيمة، بين السيادة والارتهان، بين المستقبل واستثمار الماضي.
أما الخيار، فلم يعد يحتمل التأجيل: إما أن نبني وطناً يتسع للجميع، أو نبقى نتقاسم عراقاً يتآكل أمام أعيننا. والذين يتقاسمون الحصص اليوم قد يكتشفون غداً أنهم لم يربحوا العراق، بل ساهموا في خسارته.