نيجيرفان بارزاني.. رجل التوافقات السياسية وبناء الجسور

أحمد كوران

في السياسة العراقية حيث تتشابك المصالح وتتداخل الخلافات الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية لا تقاس قوة السياسي دائماً بقدرته على خوض المواجهات بل بقدرته على إدارة التناقضات ومنعها من التحول إلى أزمات مفتوحة. وفي هذا السياق يبرز اسم نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كوردستان بوصفه شخصية سياسية ارتبط حضورها خلال سنوات طويلة بالحوار والتفاوض وبناء قنوات التواصل بين الأطراف المختلفة.

هذه الصورة لا تقوم فقط على الانطباع السياسي بل يمكن قراءتها من خلال مسار الرجل في إدارة الملفات المعقدة بين أربيل وبغداد وعلاقاته مع مختلف القوى السياسية العراقية فضلاً عن حضوره في المشهد الإقليمي والدولي. فقد اختار في كثير من المواقف أن تبقى أبواب الحوار مفتوحة حتى عندما كانت الخلافات في أعلى مستوياتها.

سياسة فن الممكن

يمكن اختصار جزء مهم من مدرسة نيجيرفان بارزاني السياسية بمفهوم البراغماتية السياسية أي التعامل مع السياسة باعتبارها فن الممكن وليس ساحة لتحقيق الانتصار الكامل في كل مواجهة.

فالسياسة في المجتمعات المعقدة لا تقوم دائماً على قاعدة «إما كل شيء أو لا شيء». وفي العراق تحديداً حيث تتعدد القوى ومراكز القرار يصبح الوصول إلى صيغة تحفظ المصالح الأساسية وتمنع الخسائر الكبرى أكثر واقعية من الدخول في صراعات مفتوحة يصعب معرفة نهايتها.

وهنا تكمن إحدى نقاط قوة هذا النهج: الخلاف لا يعني القطيعة والتفاوض لا يعني التنازل والتوافق لا يعني التخلي عن الحقوق.

أربيل وبغداد.. اختبار حقيقي

ربما كانت العلاقة بين أربيل وبغداد الاختبار الأوضح لهذه المدرسة السياسية. فمنذ سنوات ظلت ملفات النفط والغاز والموازنة والرواتب وتطبيق المواد الدستورية والمناطق المتنازع عليها من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الطرفين.

وفي مثل هذه القضايا أثبتت التجربة أن المواجهة وحدها لا تنتج حلولاً مستدامة. ولذلك ظل الحوار أحد الأدوات الأساسية لإدارة العلاقة.

وفي هذا السياق جاءت لقاءات نيجيرفان بارزاني مع المسؤولين والقوى السياسية في بغداد لتؤكد أهمية استمرار التفاوض بشأن الملفات العالقة والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين ضمن الإطار الدستوري.

وهنا يجب التمييز بين الحوار كأداة سياسية وبين التنازل عن المواقف. فالحوار الناجح لا يعني أن يتخلى طرف عن مصالحه وإنما أن يبحث عن صيغة تجعل حماية تلك المصالح ممكنة ضمن إطار سياسي ودستوري قابل للاستمرار.

التوافق داخل العراق

لا تقتصر أهمية هذا النهج على العلاقة بين أربيل وبغداد. فالمشهد العراقي نفسه قائم على تعدد القوى والمكونات الأمر الذي يجعل القدرة على التواصل مع أطراف مختلفة عاملاً مهماً في بناء الاستقرار السياسي.

وقد ظهر هذا الجانب في لقاءات نيجيرفان بارزاني مع قوى سياسية عراقية مختلفة حيث طُرحت ملفات تشكيل الحكومة وحصر السلاح بيد الدولة والعلاقات بين المركز والإقليم وضرورة حل المشكلات العالقة بالحوار والتفاهم.

وهذه نقطة مهمة في قراءة شخصية بارزاني السياسية فهو لا يتعامل مع التوافق باعتباره اتفاقاً بين طرفين فقط وإنما كآلية لإدارة بيئة سياسية متعددة المصالح.

الصبر السياسي

السياسة لا تُبنى بالقرارات السريعة وحدها. بعض الملفات تحتاج إلى سنوات من التفاوض وإلى القدرة على العودة إلى الطاولة نفسها بعد كل أزمة.

وهنا يظهر مفهوم يمكن تسميته الصبر السياسي والاستراتيجي.

فالسياسي الذي يريد نتائج فورية قد يحقق مكاسب آنية لكنه قد يخسر مساحة المناورة لاحقاً. أما الحفاظ على قنوات الاتصال فيمنح الأطراف فرصة لإعادة ترتيب مواقفها عندما تتغير الظروف.

ولهذا يمكن فهم سياسة نيجيرفان بارزاني باعتبارها محاولة لإدارة الزمن السياسي وليس فقط إدارة الأزمة الحالية.

الدبلوماسية كأداة قوة

على المستوى الإقليمي والدولي اتخذ بناء العلاقات بعداً آخر. فإقليم كوردستان يتحرك ضمن منطقة شديدة الحساسية تتداخل فيها المصالح العراقية مع مصالح دول الجوار والقوى الدولية.

وفي مثل هذه البيئة لا تكفي الخطابات السياسية بل تحتاج الأطراف إلى دبلوماسية قادرة على فتح قنوات مع جهات متعددة وتحويل العلاقات الخارجية إلى وسيلة لحماية المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية.

وهنا يمكن النظر إلى نشاط نيجيرفان بارزاني الدبلوماسي باعتباره جزءاً من محاولة تثبيت موقع إقليم كوردستان بوصفه طرفاً فاعلاً في المعادلة العراقية والإقليمية وليس مجرد طرف ينتظر نتائج الصراعات من حوله.

لكن التوافق ليس حلاً لكل شيء

ومع ذلك فإن قراءة هذه التجربة بصورة موضوعية تتطلب الاعتراف بأن سياسة التوافق ليست خالية من المخاطر.

فالتسويات السياسية قد تؤدي أحياناً إلى تأجيل المشكلات بدلاً من حلها وقد تتحول بعض الملفات إلى أزمات متكررة إذا لم تستند الاتفاقات إلى قواعد دستورية وقانونية واضحة وآليات تنفيذ محددة.

لذلك فإن نجاح سياسة بناء الجسور لا يقاس بعدد الاجتماعات والاتفاقات وإنما بما تنتجه هذه الاتصالات من حلول فعلية ومستدامة.

وهذه ربما هي النقطة التي ينبغي أن تكون حاضرة في تقييم تجربة نيجيرفان بارزاني: قيمة التوافق لا تكمن في التوافق ذاته بل في النتائج التي يستطيع إنتاجها.

لماذا يحتاج العراق إلى هذه المدرسة؟

العراق اليوم لا يحتاج إلى مزيد من السياسيين الذين يجيدون رفع سقف الخلاف بقدر حاجته إلى سياسيين يستطيعون إدارة الخلاف.

فالدولة التي تتعدد فيها المصالح والانتماءات السياسية تحتاج إلى شخصيات قادرة على الاستماع والتفاوض وبناء مساحات مشتركة من دون أن يعني ذلك التخلي عن المواقف أو الحقوق.

ومن هذه الزاوية تصبح تجربة نيجيرفان بارزاني جديرة بالقراءة ليس باعتبارها تجربة شخصية فقط وإنما باعتبارها نموذجاً لمدرسة سياسية تقوم على التوازن والبراغماتية والحوار وإدارة المصالح.

من الجدران إلى الجسور

إن وصف نيجيرفان بارزاني بأنه «رجل التوافقات وبناء الجسور» لا ينبغي أن يكون مجرد توصيف احتفالي بل يمكن فهمه من خلال أسلوبه في التعامل مع الملفات السياسية المعقدة.

فهو يتحرك في مساحة يصعب فيها تحقيق كل المطالب دفعة واحدة ولذلك يحاول البحث عن الممكن والإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة وتحويل الخلاف من حالة صراع إلى حالة تفاوض.

وقد لا تكون هذه السياسة دائماً قادرة على إنهاء الأزمات من جذورها لكنها تمنح السياسة فرصة للاستمرار عندما تصبح المواجهة عاجزة عن تقديم البديل.

وفي النهاية لا تقاس القوة السياسية بحدة الخطاب ولا بعدد الخصوم وإنما بقدرة السياسي على إدارة الاختلاف وتحويله إلى مساحة للتفاهم.

وفي بلد مثل العراق ربما تكون أعظم قوة سياسية اليوم هي القدرة على بناء الجسور من دون التفريط بالمصالح والبحث عن التوافق من دون إلغاء الاختلاف والدفاع عن الحقوق من دون إغلاق أبواب الحوار.

وهنا تكمن أهمية تجربة نيجيرفان بارزاني: ليس لأنه استطاع إنهاء جميع الخلافات وإنما لأنه اختار أن يتعامل معها باعتبارها قضايا تحتاج إلى سياسة لا إلى قطيعة وإلى تفاوض لا إلى جدران جديدة.

قد يعجبك ايضا