هرمز ليس بريئاً.. وطهران وواشنطن تتقاسمان لعبة النار

نبيل عبد الأمير الربيعي

في الشرق الأوسط، لا شيء يحدث مصادفة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالنفط والبحار والسلاح واليورانيوم. وحين يتحول مضيق هرمز فجأة إلى مركز العالم، فيما يتراجع الحديث عن مصير اليورانيوم الإيراني المخصب، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل يجري استخدام هرمز كستارة سياسية لإخفاء العقدة الحقيقية في المواجهة بين طهران وواشنطن؟
لا يمكن الجزم بأن إيران افتعلت أزمة المضيق لهذا الغرض وحده، لكن من السذاجة السياسية تجاهل أن طهران تعرف جيداً كيف توظف موقعها الجغرافي عندما تضيق بها الخيارات. فهرمز بالنسبة إليها ليس مجرد ممر بحري؛ إنه ورقة نفوذ جاهزة للاستخدام، وسلاح اقتصادي لا يحتاج إلى إطلاق رصاصة واحدة كي يهز الأسواق.
لكن المشكلة أن إيران، حين تلعب بهذه الورقة، لا تضغط على الولايات المتحدة وحدها. إنها تضغط على العالم كله. أي اضطراب طويل في حركة الملاحة يعني نفطاً أغلى، وتأميناً أعلى كلفة، وشحناً أكثر اضطراباً، واقتصادات تدفع ثمن صراع لم تختره. ولذلك فإن تحويل المضيق إلى رهينة في صراع سياسي ليس بطولة جيوسياسية كما يحاول البعض تصويره، بل مغامرة يمكن أن يدفع ثمنها ملايين البشر خارج حدود الصراع.
لكن واشنطن ليست الطرف البريء في هذه الحكاية. فالولايات المتحدة التي ترفع شعار حرية الملاحة عندما تتوافق مع مصالحها، ليست غريبة عن استخدام العقوبات والحصار والضغط العسكري لإجبار خصومها على تقديم التنازلات. وهي تدرك أن الاقتصاد الإيراني يمثل إحدى نقاط الضغط الأكثر إيلاماً، كما تدرك أن التلويح بالقوة العسكرية يمكن أن يعيد تشكيل طاولة التفاوض قبل أن تبدأ المفاوضات أصلًا.
إيران تتحدث عن السيادة والمقاومة وحقها في امتلاك التكنولوجيا النووية، لكنها لا تستطيع أن تطلب من العالم أن يثق بها بينما تحيط برنامجها النووي بأسوار من الغموض السياسي. والولايات المتحدة تتحدث عن منع الانتشار النووي وحماية الأمن الدولي، لكنها لا تستطيع إقناع المنطقة بأن دوافعها كلها تنتمي إلى القانون الدولي، فيما تظل القوة العسكرية والعقوبات أدوات أساسية في سياستها الخارجية. لا طهران بريئة، ولا واشنطن جمعية خيرية. هذه هي الحقيقة التي ينبغي ألا نخاف من قولها.
والآن نصل إلى الملف الذي قد يكون أكثر أهمية من كل الضجيج حول هرمز: اليورانيوم المخصب. فالكميات التي تتحدث عنها التقديرات، والتي تقارب 400 كيلوغرام، تجعل السؤال عن مكانها ومصيرها واحداً من أخطر أسئلة الأزمة. فالمشكلة ليست في الرقم وحده، وإنما فيما يعنيه وجود هذه الكميات بالنسبة إلى مستقبل البرنامج النووي الإيراني وإمكانات إعادة تشغيله وتطويره. وهنا تحديداً تصبح المسألة أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة عسكرية.
قد تستطيع الطائرات تدمير منشأة، وقد تستطيع الصواريخ إصابة موقع، لكن لا توجد قنبلة تستطيع أن تحسم بسهولة سؤالاً بسيطاً: أين ذهبت المادة النووية؟ وهذا ما يجعل ملف اليورانيوم المخصب عقدة تفاوضية وأمنية في آن واحد.
قد تكون أزمة هرمز ورقة إيرانية لإعادة ترتيب المشهد، وقد تكون أيضاً نتيجة طبيعية لتصاعد المواجهة. وفي الحالتين، فإن تحويل المضيق إلى ساحة شد أعصاب لن يلغي السؤال النووي، بل سيؤجله فقط.
أما واشنطن، فعليها أن تدرك أن الضغط الأقصى لا ينتج دائماً الاستسلام الذي تتوقعه. أحياناً ينتج مزيداً من التشدد، ويمنح خصمها مبرراً لتعبئة الداخل، ويحول القضية من خلاف على برنامج نووي إلى معركة وجود. وطهران، في المقابل، مطالبة بأن تدرك أن العالم ليس ملزماً بتصديق كل ما تقوله عن سلمية برنامجها النووي لمجرد أنها ترفع راية السيادة. الشفافية ليست تنازلاً عن الكرامة الوطنية، كما أن التفتيش الدولي ليس احتلالاً.
المشكلة أن الطرفين بارعان في شيء واحد: تحميل الآخر مسؤولية النار، ثم الاقتراب منها أكثر. واشنطن تضغط لأنها تريد انتزاع تنازلات استراتيجية. وطهران تصعد لأنها تريد تحسين شروط التفاوض. لكن بين الضغط والتصعيد مساحة ضيقة جداً قد تنفلت فيها الأمور من يد الجميع. وهنا تكمن المفارقة: الطرفان قد يربحان جولة، لكن المنطقة كلها قد تخسر الحرب.
العراق ودول الخليج وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي ليست تفاصيل هامشية في هذه المعادلة. وأي حرب واسعة لن تسأل عن هوية من بدأها عندما تبدأ آثارها بالانتشار. لذلك فإن المطلوب ليس البحث عن بطل في هذه المواجهة، بل البحث عن مخرج.
إذا أرادت طهران الحفاظ على نظامها ومصالحها، فعليها أن تعرف أن المناورة لها حدود، وأن اليورانيوم المخصب لا يمكن أن يبقى إلى الأبد ورقة غامضة على طاولة المساومات. وإذا أرادت واشنطن منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، فعليها أن تعرف أيضاً أن الشرق الأوسط ليس رقعة شطرنج أمريكية، وأن تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للحروب لن يصنع أمناً دائماً.
أصل الحكاية هو صراع على النفوذ والردع والبرنامج النووي ومستقبل النظام الإيراني، وعلى من يملك القدرة على فرض شروطه عندما يجلس الطرفان إلى طاولة واحدة. وقد يستمر الدخان في التصاعد فوق المضيق، وقد تتعالى لغة التهديد من طهران وواشنطن، لكن الحقيقة ستظل تنتظر في الغرفة المغلقة: من سيتنازل أولاً؟ ومن سيحفظ ماء وجهه؟ ومن سيدفع ثمن لعبة النار؟ ذلك هو السؤال.
أما الذين يطلبون منا اختيار إيران ضد أمريكا، أو أمريكا ضد إيران، فهم يريدون منا ببساطة أن نختار أحد طرفي المشكلة، بدل أن نسأل: لماذا يطلب من المنطقة دائماً أن تدفع ثمن صراعات الكبار؟ وهنا تحديداً ينبغي أن يكون صوت الكاتب مستقلاً: لا مع طهران حين تستخدم المنطقة ساحة نفوذ، ولا مع واشنطن حين تجعل القوة قانوناً، ولا مع أي عاصمة ترى في شعوب المنطقة مجرد أوراق على طاولة مصالحها.
فالعراق والمنطقة ليسا مضيقاً للمساومة، ولا مخزناً للنفط، ولا حديقة خلفية لأحد. هذه بلادنا، وهذه أرواحنا، وهذا مستقبلنا.ك

قد يعجبك ايضا