ماهين شيخاني
لم تكن عشرون دقيقة.. بل كانت عمراً مختصراً، يُمنح للسجين كي يرى وجه الحياة قبل أن يعود إلى قبره الحديدي.
في سجن صيدنايا، حيث تتعفن الأرواح قبل الأجساد، كانت الزيارة الشهرية تُوزّع كصدقةٍ على الموتى الأحياء. عشرون دقيقةٌ لا أكثر، لكنها كانت أثقل من الدهر، وأعجز من أن تحوي كلمة “اشتقتُك”، وأقسى من أن تحتمل قلب أمّ جاءت ترتعد خلف شبّاك لتلمس وجه ابنها بعينيها.
كان يفصلنا عن أهلنا شبكان معدنيان، كأنهما ضلعان لصرّتين لا تلتقيان. وبينهما مسافة بالكاد تتسع لظلّ عسكري، يقف كالشاهد الثالث على مشاهد لا يشهدها إلا الجدران.
كنا نجلس أمامهم كغرقى يرون الشاطئ ولا يستطيعون السباحة إليه. في تلك الدقائق، كانت الكلمات تتلاشى، والجمل تتبخّر، وكأن الفم ينسى كيف ينطق، والقلب ينسى كيف يبوح.
ننظر إلى أمّهاتنا، إلى زوجاتنا، إلى أطفالنا الذين كبروا دوننا، فنفتح أفواهنا لِنُخرج بحراً من الكلام، فلا يخرج غير سؤالٍ مُحرَج:
– كيف أنتم؟
ثم يصمت كل شيء..
يسود الصمت، الصمت الأكبر من كل الكلام.
كان أقسى ما في الزيارة أن تراهم أمامك ولا تلمسهم.
بالكاد تتلامس أطراف الأصابع بين فتحات الشبك، كلمسة طيف، أو كمن يحاول أن يتأكد أن الآخر ما زال من لحم ودم.
يد أختي / زوجتي..كانت تصل إليّ عبر الحديد، فأمسك بأصابعها للحظات، وكأنني أمسك بخيط الحياة. ثم يأتي الصوت الجاف:
– خلص.. احكوا!
فنفترق. وتصبح الأصابع ذكرى بين شباكين.
في تلك اللحظة كنت أشعر أن الحديد لم يعد بيننا وبينهم فقط، بل صار يسكن قلوبنا، ويفصل بين نبضاتنا.
هذا حال كل السجناء.. لكننا نحن الكورد، كان لنا وجع آخر.
كنا نعيش الزيارة مرتين:
مرة تحت وطأة القضبان،
ومرة تحت وطأة اللغة الممنوعة.
ما إن تبدأ الدقائق حتى ينهار الصراخ من فوق رؤوسنا:
– إحكوا عربي!
ثم يتبعها التهديد كالصاعقة:
– الكوردي ممنوع! وإن سمعت كلمةً واحدة، حرمتكم من الزيارة!
كأنهم يطلبون منا أن نتحدث إلى أهلنا بقلب ليس قلوبنا، وبلسان لا يعرف كيف يبكي.
كيف تشرح لأهلك لأمك أو لزوجتك وجعك بلغة لم تتعلم فيها معنى الحضن الأول؟
كيف تقول لها “اشتقتُك” بلغةٍ لا تحمل في جوفها بكاء الطفولة؟
الكوردية لم تكن مجرد أداة تواصل..
كانت نبض أمّهاتنا، وصوت آبائنا، وأغاني طفولتنا، وأسماء الأمكنة التي كبرنا فيها. كانت هي الجلد الثاني الذي نحمي به أرواحنا من برد الغربة والسجون.
أرادوا منا، في تلك الدقائق القليلة، أن نخلع لغاتنا كما نخلع ثيابنا، وأن نستعير لساناً غريباً لنخاطب به أقرب الناس إلينا.
كنت أحس أحياناً كأن أحدهم اقتلع لساني من جذوره، وغرز مكانه لساناً لا يعرف كيف يهمس، ولا كيف يئن.
ومع ذلك..
كنا نتحدث بالكوردية.
بصوتٍ خافت، وبكلمات مقطّعة، وبنظراتٍ تفهم أكثر مما تنطق الألسنة.
كنا نتحدى الصراخ بالصمت أحياناً، وبالكلمة أحياناً أخرى.
العسكري يصرخ:
– قلت لك: عربي!
فنعود إلى الكوردية.
ليس عناداً فقط..
بل لأننا لم نملك غيرها لنضع فيه كل ذلك الحب.
وكان أكثر ما يوجعنا أن العسكري كان يذكّرنا، بسخرية وبرود، بأننا في السجن بسبب هذه اللغة.
كأن اللغة جريمة.
وكأن الأم التي تنادي ابنها بلغتها الأولى ترتكب خطيئة.
وكأن الإنسان يستطيع أن يغيّر لسان قلبه بأمر عسكري.
كان يصرخ في وجوهنا:
– أنتم هنا بسبب الكوردية!
فننظر إلى بعضنا، ونبتسم ابتسامةً مكسورة، ونواصل حديثنا بالكوردية.
لأننا كنا نعرف شيئاً لم يعرفه السجان:
قد يستطيعون أن يغلقوا علينا أبواب السجن،
وقد يستطيعون أن يحاصروا أجسادنا خلف الحديد،
وقد يستطيعون أن يمنعوا عائلاتنا من الاقتراب منا،
وقد يستطيعون أن ينتزعوا من أفواهنا عشرين دقيقة من الكلام..
لكنهم لا يستطيعون أن ينتزعوا منا اللغة التي ولدنا بها.
تمر الدقائق كالسكاكين.
وفي الثانية الأخيرة، يبلغ الألم ذروته.
تريد أن تقول لأمك ألف شيء، فلا يخرج غير نظرة.
تريد أن تعانق طفلك، فتكتفي بوضع أصابعك على الشبك.
تريد أن تطمئن زوجتك أنك بخير، ووجهك يفضحك.
ثم يأتي الصوت الذي نخشاه:
– خلصت الزيارة!
كلمة واحدة، لكنها تسقط علينا كحكم جديد بالإعدام البطيء.
الأمهات ينهضن باكيات، والأطفال يمدون أيديهم نحو الشبك، والعيون تتشبث بالوجوه حتى آخر وهلة.
نراقبهم وهم يبتعدون.
نظل واقفين في مكاننا، لا نعرف هل انتهت الزيارة أم انتهت قدرتنا على الاحتمال.
ثم يُغلق الباب.
ونعود إلى الزنزانة.
لكن شيئاً واحداً كان يبقى معنا:
صوت أمٍّ نادت ابنها بالكوردية، قبل أن يأمرها العسكري بالصمت.
ذلك الصوت ظل عالقاً في جدران صيدنايا..
وربما لهذا السبب، لم تستطع كل تلك الجدران أن تجعلنا ننسى من نحن.
-إلى كل أمّ أو زوجة نادت ابنها بلغتها في سجون الظلام..
وإلى كل سجين ظلّت كلماته الكوردية شاهداً على أن الحديد لا يكسر الروح.