البيشمركة .. ذاكرة وطن لا تُختزل

آشتي عمر

قبل الحديث عن تٲريخ البيشمركة ونضالها، لا بد من وضع المسألة في إطارها الدستوري والقانوني، بعيداً عن التجاذبات السياسية. فقد رسم الدستور العراقي ملامح العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان، ونص في المادة (121/خامساً) على اختصاص سلطات الإقليم بتكوين وتنظيم قوى الأمن الداخلي، بما فيها الشرطة والأمن وحرس الإقليم، كما أكد الدستور في الوقت نفسه حظر تكوين الميليشيات العسكرية خارج إطار القوات المسلحة.
ومن هنا، فإن الحديث عن البيشمركة لا ينبغي أن يُختزل في نقاش سياسي عابر حول السلاح أو النفوذ لأنها قبل أن تكون قوة عسكرية هي نتاج تاريخ طويل من النضال والتضحيات ارتبط بتٲريخ الشعب الكوردي ومراحله الصعبة.
ففي سنوات الصراع، وفي جبال كوردستان الوعرة وظروفها القاسية، حمل رجال ونساء البيشمركة السلاح في مواجهة ظروف لم تكن سهلة، ودفعوا ثمناً باهظاً من الأرواح والتضحيات. ولم يكن ذلك التاريخ مجرد مواجهات عسكرية، بل ارتبط أيضاً بما عاشه الشعب الكوردي من تهجير وقمع ومآسٍ تركت آثارها العميقة في الذاكرة الكوردستانية.
ومع مرور الزمن، أصبحت البيشمركة جزءاً راسخاً من هذه الذاكرة، ليس بسبب وجودها العسكري فحسب، وإنما بسبب ما ارتبط بها من تضحيات وشهداء ومراحل مفصلية في تاريخ كوردستان.
ومن المهم هنا التمييز بين الدفاع عن الأرض والشعب وبين الاعتداء على الآخرين. فلم يكن تاريخ البيشمركة قائماً على مشروع للتوسع أو احتلال أراضي الدول المجاورة، ولم تُرفع بنادقها بهدف إلحاق الضرر بشعوب الجوار أو الاعتداء على دول المنطقة. بل ارتبط حملها للسلاح في جوهره، بالدفاع عن شعبها وأرضها في ظروف تٲريخية وسياسية بالغة التعقيد. وهذه نقطة أساسية عند تقييم تجربتها، بعيداً عن التوصيفات الجاهزة والمقارنات التي تتجاهل اختلاف الظروف والنشأة والمهام.
ولم يتوقف حضور البيشمركة عند حدود الإقليم، فقد كان لها دور بارز في مواجهة تنظيم داعش حيث خاضت معارك صعبة على جبهات متعددة، وقدمت تضحيات كبيرة في مواجهة تنظيم إرهابي شكّل خطراً على العراق والمنطقة. وفي تلك المرحلة لم تكن المعركة تخص طرفاً واحداً بل كانت مواجهة مع خطر هدد الجميع.
ولهذا، فإن وضع البيشمركة في خانة واحدة مع تشكيلات مسلحة نشأت في ظروف وسياقات سياسية مختلفة من دون النظر إلى تٲريخها وطبيعة نشأتها والمهام التي اضطلعت بها، يُفقد النقاش موضوعيته ويختزل قضية تاريخية وسياسية معقدة في توصيف واحد.
وبالتأكيد، فإن الاختلاف حول تنظيم القوات المسلحة ومستقبل السلاح في العراق حق مشروع، بل هو جزء أساسي من النقاش حول بناء الدولة. والمطلوب أن تكون هذه القضايا خاضعة للدستور والقانون، وأن يكون هدفها النهائي ترسيخ مؤسسات الدولة وتعزيز سيادتها.
إن العراق، بتنوعه القومي والسياسي والاجتماعي، لا يمكن أن يبني مستقبله من خلال إنكار تاريخ أحد مكوناته أو تحويل رموزه وتضحياته إلى أدوات للصراع السياسي. فالاختلاف يمكن أن يُدار بالحوار، والخلافات الدستورية تُعالج بالقانون، أما التاريخ فلا ينبغي أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات.
البيشمركة ليست صفحة عابرة في تاريخ كوردستان، ولا يمكن اختزالها في توصيف سياسي مؤقت إنها جزء من ذاكرة شعب وتاريخ حافل بالتضحيات. ومن يريد أن يناقش حاضرها ومستقبلها عليه أولاً أن يقرأ تاريخها وأن يميز بين النقد السياسي المشروع وبين إنكار حقائق التاريخ.

فالعراق اليوم لا يحتاج إلى محو ذاكرة مكوناته، بل إلى احترامها، ولا يحتاج إلى تعميق الخلافات، بل إلى دولة يتساوى فيها الجميع أمام الدستور والقانون.

قد يعجبك ايضا