مجيد السيد موسى الهماشي/ لندن
العراق يبني أنبوبين في وقت واحد، أحدهما ينقل النفط، والآخر ينقل الوهم. الأنبوب الأول: في الجنوب. فولاذ ومضخات، تمتد من البصرة حتى مدينة حديثة ثم جيهان في تركيا. يضخّ الخام للتصدير. الجميع يراه كـ 90 مليار دولار سنويا.
الأنبوب الثاني: في بغداد نفسها. غير مرئي. يضخ أموال النفط والغاز مباشرة إلى نمط الحياة الاستهلاكي. مطاعم، مولات، مقاه، علامات غربية. الجميع يراه أيضًا، لكن لا أحد يسميه أنبوبًا.
قال لي أحد مشغلي المطاعم المعروفين في العراق الأسبوع الماضي: بغداد غارقة بالسيولة. التوجه هو مفاهيم الأكل الغربية والمولات. الناس تفخر بان تُرى هناك. هذا هو الأنبوب الثاني قيد العمل. وهنا ملاحظة جانبية – لن تجد في أي مكان في العالم ترفًا في المطاعم مثل ما يحدث في العراق الآن.
أسافر إلى لندن ودبي وإسطنبول. لا مكان – وأعني لا مكان على الإطلاق – يبني مطاعم بهذا المستوى من البذخ والمظاهر. رخام من إيطاليا لمطعم برغر. ثريات كريستال لمحل شاورما. ديكور داخلي بمليوني دولار لمقهى يبيع فنجان قهوة بخمسة دولارات. الأمر يفوق الاستيعاب. المظهر هو المنتج.
وهذا لا يضاهيه إلاّ الاندفاع الشرس، شبه الباذخ، لبناء أنابيب النفط نفسها – من يدري ربما صمامات مطلية بالذهب، مبالغة في الهندسة، احتفالات قص شريط لأنبوب. نبني أنابيب باذخة لضخ النفط، لتمويل مطاعم باذخة لحرق الإيرادات.
قطاع العقار مشبّع. إذن، ريع النفط والغاز يحتاج منفذًا جديدًا. لكن إلى أين؟ آها إنه المطعم: كثيف السيولة، رائج، نموذج عمل نظيف، يفتح في 60 يومًا. مول تجاري: صندوق كبير لخزن السيولة الكبيرة، ويدر الإيجار بالدولار، يبدو أننا وصلنا لمستوى دبي.
النتيجة: انفجار بنسبة %500 في عدد المطاعم والمولات خلال 3 سنوات. ليس لأن 45 مليون عراقي فجأة جاعوا للبيرغر وأزياء زارا. بل لأن الأنبوب الثاني يحتاج منافذ.
نحن نغذي اقتصادًا وهميا عبر الأنبوب الأول لإدامة الأنبوب الثاني. نصدّر النفط الخام لنستورد نمط حياة. نفط يخرج، استهلاك يدخل. لا شيء يبقى، لا شيء يُبنى.
مولات بلا منتجات عراقية الصنع في الداخل. مطاعم بلا زراعة عراقية خلفها. جيل كامل من خريجي الجامعات العاطلين عن العمل يعملون كنُدُل وحرّاس أمن لخدمة أموال نفطهم.
عندما ينخفض سعر النفط من 85 الى 55 دولارا، ماذا سيحدث؟ الأنبوب الأول يتباطأ. الأنبوب الثاني ينفجر. تصبح المولات هياكل فارغة. تغلق المطاعم بين ليلة وضحاها. عندها يدفع المجتمع ثمنًا باهظًا لهذا السلوك المتهور.
هذه ليست تنمية مستدامة. هذه ليست حوكمة رشيدة. هذا هدر منظم لريع النفط.
القيادة الحقيقية للتنمية المسؤولة في العراق ليست في بناء المزيد من الأماكن لإنفاق أموال النفط. بل في بناء مشاريع لمضاعفتها – مزارع، مصانع، سلاسل إمداد، مهارات، بحيث يبيع ذلك المول فعليًا شيئًا صنعناه، ويقدم ذلك المطعم فعليًا شيئًا زرعناه.
وحتى ذلك الحين، نحن فقط نبني أنابيب جميلة لتؤدي بنا إلى المجهول.