خرساء وضيّعت خاتمها

د. خالد زغريت

تقول ستي خدوج: صار الحقّ في زماننا مثل الخرساء التي ضيّعت خاتمها، لا هي تجده، ولا نحن نعرف عما تبحث. صرنا في زمان فيه لا يُرى الدمع، ولا يُسمع الصراخ، طالما كانت الثورات تبدأ بالصراخ، لكنها لا تلبث أن تضع في أذنيها وقراً لكيلا تسمع الصراخ الذي بدأت به ولأجله.

وقصة صرخة “روبسبير”، أحد أكبر السفاحين الثوريين الذين مروا على وجه الكرة الأرضية تاريخياً بحسب المراجع التاريخية، لأنه أعدم أكثر من ستة آلاف من رفاقه. فيحكى أنه حين اعتقل، وقد أصيب فكه، فعجز عن الكلام تقدّم منه أحد حراسه، وأعطاه منديلاً ليمسح الدم السائل منه، فنطق بصعوبة بالغة آخر كلمتين له: شكراً سيدي، والمفارقة أنه استخدم كلمة “سيدي التي حظرتها الثورة الفرنسية، واستبدلتها بكلمة “مواطن”، ليعود إلى ما الحرام الثوري في لحظة هزيمته الثورية.

وحين صعد “روبسبير” إلى منصة المقصلة، قام الجلاد ” سانغسون” بنزع الضمادة القماشية عن فكه المكسور لكي تعيق شفرة المقصلة. فأطلق “روبسبير” في تلك اللحظة صرخة ألم مروعة فكانت هذه الصرخة هي آخر ما نطق.

صرنا في زمان يقنعنا المؤثر الثوري بالعصا الإعلامية أن لحية” تشي غيفار” جواز سفر الثورية وهي تجب إلحاده. نعم حالنا خرسا ومضيّعة خاتمها، ولن يجده مؤثر تسميه ستي خدوج “إلية” الشيطان ذلك الذي تحوّل من طبّاخ الباطرش الحموي إلى صانع محتوى أشبه بمدير حلبة سيرك “غِرران العسل ” تلك الحيوانات التي اتفق على أنها أشرس الحيوانات على الإطلاق، فما إن تتحرك فيه نوازع الفتنة حتى يحول محتواه إلى حلبة صانع غرير العسل في زمن بيئته ملائمة للتوحش.

أما المؤثر الذي يتحول من عارض إكسسوارات المراهقات إلى مؤرخ الثورات، فتجده مثل الدوري الذي يمتطي الصقر، فينتف جنحه ليُضحك أتباعه، ومستأجريه، حينها تصير المبادئ خرسا ومضيعة خاتمها. حين يمثل متمشيخ دور النواحة والردادة في النهار على العدالة وفي الليل يولم مما اغتصب من أرزاق هبل القبيلة لشيوخ الغفلة، تصير القيم خرسا ومضيعة خاتمه، ويصير العقال لربط خصر الرقاصات.

تقول ستي خدوج: كل جراء العالم تكبر، وتصير كلاباً إلا جرو حليمة، ولو صببت له كل سمن كنانة، وتميم، ولو سقيته حليب نوق النعمان العصفورية. إننا يا صاحبي نعيش في حي الحمير، ونكتب على مدخله بالخط الأحمر: حي الغزلان

قد يعجبك ايضا