هل ستنجح كوردستان في تحويل لعنة الجغرافية الى فرصة…

انس الشيخ مظهر

قد لا تريد بغداد ولا أنقرة ولا طهران ولا واشنطن أن تسقط كوردستان , لكنها قطعا لا تريدها أن تقف ايضا على قدميها من دون إذن… هذه هي المعادلة، ببساطة ومن دون تجميل.

بغداد تريدها قوية، لكن ليس أقوى منها , وأنقرة تريدها مزدهرة، لكن دون أن تمسّ أمنها القومي, وإيران تريدها هادئة على ان لا تتحول الى منصة تتحرك منها واشنطن. وواشنطن تريدها شريكاً أمنياً دون ان تُحرج حساباتها الإقليمية. أربع رغبات مختلفة، تلتقي عند خط واحد فقط: – “كوردستان مفيدة، شرط ان ألا تقرر بنفسها”.

والمفارقة أن هذا التناقض، الذي يبدو انه قيود من كل الجهات، يمكن ان يتحول الى أكبر فرصة اذا استغلت بشكل صحيح . فحين يريد الجميع منك شيئا واحدا ” وان كانت بشروط مختلفة” , يمكن ان تتحول إلى نقطة لا يمكن لأحد تجاوزك بمفرده.

المطلوب من كوردستان اليوم ليس مواجهة تركيا أو مزايدة إيران، فهذه معركة خاسرة سلفاً. المطلوب أن تصبح أغلى من أن تُكسر. وهي تملك أدوات ذلك بالفعل : – موقع عند تقاطع طرق التجارة والطاقة والنقل بين الخليج وتركيا وأوروبا.

فإذا تحولت من نقطة حدودية إلى عقدة تربط اقتصاد العراق بمحيطه، لن تُقاس قيمتها بما تملكه، بل بما يمرّ عبرها.

لقد آن الأوان ان تخرج العلاقة بين كوردستان وبغداد من حلقة الشد والجذب السنوية حول الموازنة والنفط والصلاحيات , فالعراق يخسر حين يتعامل مع الإقليم كملف مزعج ، والإقليم يخسر حين يحصر علاقته ببغداد في سقف المطالب المالية وحدها. الحل بسيط في جوهره ويتمحور في أن تتحول كوردستان إلى بوابة اقتصادية للعراق كله نحو تركيا وأوروبا، فتصبح قوة الإقليم إضافة لقوة الدولة، لا خصماً منها.

وفي الخارج، على كوردستان أن تتوقف عن انتظار قرارات الآخرين، وأن تبدأ بعرض ما تملكه:-

شراكة تفيد واشنطن..

وبوابة تفيد أنقرة..

وفرصة استثمار تفيد أوروبا..

وعمقاً استراتيجياً يفيد بغداد نفسها.

ولتحقيق هذه القفزة الاستراتيجية والانتقال العملي من موقع “الساحة” إلى موقع “الشركاء الذين لا يمكن الاستغناء عنهم”، يمكن للإقليم تبني أفكار ونوافذ نفوذ غير تقليدية نستطيع تلخيصها على النحو التالي:-

*/ كوردستان تقف اليوم على خط أنابيب البيانات الذي ينقل حركة الإنترنت من الخليج إلى أوروبا عبر أراضيها وأراضي تركيا، بعدما لجأت شركات تقنية كبرى إلى هذا المسار البري كبديل للكابلات البحرية المهددة. على الإقليم ألا يكتفي بدور الممر، بل أن يتصدر هذا الملف ويحوّله إلى ورقة تفاوض دائمة، فمن يمسك بمفتاح تدفق بيانات العالم لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة.

*/ تقديم الإقليم كخزان مائي وبيئي للعراق والجوار، عبر مشاريع حصاد مياه وإدارة سدود بالتعاون مع شركات دولية. المياه، إذا أُديرت بذكاء، تتحول من نقطة ضغط عليه إلى أداة تفاوض بيده.

*/ مناطق استثمارية مشتركة على الحدود، تجمع رأس مال إيراني وتركي وعراقي وأوروبي في المكان نفسه. أي تصعيد عسكري هناك يصبح خسارة مالية مباشرة للجميع، لا لكوردستان وحدها.

*/ بيئة قانونية تجعل من أربيل مقصداً لفض النزاعات التجارية للشركات العاملة في العراق والمنطقة، بدل أن تذهب هذه العقود إلى دبي أو بيروت. ثقة قانونية تجذب رؤوس الأموال أكثر من أي خطاب سياسي.

*/ الأراضي الزراعية والمناخ الملائم أساس لشراكات زراعية وصناعية عابرة للحدود، تجعل أمن العراق الغذائي مرتبطاً جزئياً بما يُزرع داخل الإقليم.

*/ استثمار جامعات ومستشفيات دولية داخل الإقليم يجعله وجهة تعليمية وصحية لسكان العراق والمحيط، وهو نفوذ ناعم يتراكم بهدوء، بلا حاجة لتفاوض سياسي متكرر.

*/ بدل أن تبقى تحويلات الكورد في أوروبا وأمريكا مبادرات فردية متناثرة، يمكن تأسيس صندوق استثماري منظم يجمع رساميل الشتات في مشاريع بنية تحتية وتعليم داخل الإقليم، فتتحول الجاليات المشتتة إلى قوة مالية مركّزة تخدم مشروعاً واحداً بدل أن تتوزع بلا أثر.

*/ تسجيل مشاريع التشجير في جبال زاگروس وبقية جبال كوردستان كمشاريع كربونية معتمدة دولياً، وبيع شهادات خفض الانبعاثات لشركات أوروبية تبحث عن تعويض بصمتها الكربونية. فكرة بيئية بحتة، تخلق مصلحة أوروبية مباشرة في استقرار الإقليم بعيداً عن أي حسابات سياسية.

*/ أن تتحول أربيل إلى مكان تلتقي فيه أطراف متنازعة من خارج الملف الكوردي، فتكتسب قيمة دبلوماسية تراكمية لمجرد كونها الأرض التي يثق بها الجميع، من دون أن تتورط في مضمون النزاعات نفسها.

*/ تحويل استضافة المهاجرين والنازحين من خطاب إنساني متكرر إلى برنامج مؤسسي دائم، بدعم ومراقبة دوليين، بما يمنح الإقليم غطاءً أخلاقياً يصعب على أي طرف تجاوزه.

*/ استقطاب محطات أرضية لاستقبال بيانات الأقمار الصناعية للشركات الأوروبية والأمريكية، استفادة من الموقع الجغرافي والاستقرار النسبي مقارنة بالجوار، في سوق عالمي يتوسع بسرعة ولم يدخله أحد في المنطقة بعد.

*/ تثبيت دور الإقليم كمركز لوجستي دائم لمنظمات الإغاثة الدولية والاستجابة للكوارث في العراق وسوريا وإيران، وتحويل هذا الدور من واقع قائم إلى ورقة تفاوض تُدار بوعي، لا مجرد نتيجة جانبية للأزمات.

القوة لا تُقاس بالحجم، بل بصعوبة الاستبدال. فإذا صارت كوردستان ممراً للطاقة والبيانات، وسوقاً للمال، وجسراً بين العراق وتركيا وأوروبا، فإضعافها لن يبقى شأناً داخلياً، بل خسارة يتقاسمها الجميع , وعندها ينقلب السؤال بالكامل من سؤال :-

“من يحميني؟”

الى ان يسأل الآخرون في بغداد وأنقرة وطهران وواشنطن:-

“ماذا نخسر لو ضعفت كوردستان؟”.

وهذا وحده يكفي لتنتقل كوردستان من “قضية” معلّقة على طاولة الآخرين، إلى “شريك” يصنع القرار.

قد يعجبك ايضا