نقاشات حول الحوار السوداني

سعد محمد عبدالله

لقد كشف النقاش الذي إنتظم الساحة السياسية والإعلامية، داخليًا وخارجيًا، بين مؤيد وناقد، عقب تشكيل لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني، أن قضية الحوار بدأت تفرض نفسها باعتبارها إستحقاقًا وطنيًا لا يمكن القفز فوقه، وما يجعلنا نتوقع إمكانية نجاح هذا المسار ليس إتفاق السودانيين في آرائهم، وإنما قدرتهم على إدارة إختلافاتهم ووضع القضايا الوطنية على الطاولة ومناقشتها بوضوح وشفافية؛ فلا توجد قضية عصية على الحل إذا تحكّم صوت العقل، وتوافرت الإرادة السياسية، وتقدمت مصلحة الوطن على الحسابات الحزبية والشخصية؛ فالحوار مبدأ ينبغي الإتفاق عليه، حتى وإن إختلفت الآراء حول تفاصيله ومنهجه وضماناته ومخرجاته؛ فقد قال القائد مالك عقار ذات يوم: «إذا لم تجمعنا المصالح ستفرقنا المطامع»، وكل ذلك لا يمكن الإتفاق عليه إلا عبر آليات وطنية، وفي هذا السياق، من المهم التفريق بين النقد والنقض في عمليات التعاطي مع قضية الحوار؛ فالنقد الموضوعي يمكن أن يقود إلى الإصلاح وتصحيح المسار والعبور الآمن إلى المستقبل، بينما يتحول النقض المطلق إلى أداة هدم حادة لأي فرصة للحوار والتقارب، وقد قرأت مساهمات سياسية مهمة في هذا النقاش، من بينها ما كتبته الباحثة في الشأن السوداني أماني الطويل، في مناشدتها لبعض القوى السياسية، حين إقترحت على تحالف إعلان المبادئ بقيادة «صمود» أن يستبدل مهاجمة الأطراف الإقليمية المنخرطة في دعم الحوار بالمطالبة بضمانات دولية وإقليمية واضحة.

عند تتبع المشهد العام، نجد أن من بين المساهمات اللافتة أيضًا الرسالة التي كتبها الدكتور الواثق كمير إلى القائد مني أركو مناوي بعنوان «إلى مني أركو مناوي: اللجنة ليست منبرًا للحوار»، وذلك في أعقاب مقابلة إعلامية للقائد مني أركو مناوي مع صحيفة «أفق جديد»، وهي تأتي في سياق السجالات السياسية المتواصلة حول طبيعة اللجنة ودورها وحدود مهمتها، ومهما إختلفت الآراء حول هذه المساهمات، فإن مجرد إنتظام هذا النقاش يمثل، في تقديري، مؤشرًا إيجابيًا على أن القضية الوطنية بدأت تنتقل من دائرة الرفض المتبادل إلى مساحة النقاش السياسي؛ فالمطلوب ليس أن تتطابق المواقف والآراء، أو أن تتسع مساحات التباين بين المكونات، وإنما أن تتوافر إمكانية الإستماع المتبادل، وأن يتحول إختلاف وجهات النظر إلى وسيلة لفهم المخاوف والهواجس، بدلًا من أن يصبح ذريعة لإغلاق الأبواب وحرق الأوراق؛ كما أن موقف مفوضية الإتحاد الأفريقي من الحوار السوداني ينبغي ألا يُقرأ حصرًا من زاوية النقض الهدام، بل يمكن إخضاعه لنقد سياسي تنويري وموضوعي، يهدف إلى تطوير المبادرة وتعزيز إستقلاليتها وضمان شمولها، طالما أنها مساهمة في حل الأزمة السودانية؛ فالدعم الإقليمي والدولي، متى إحترم الملكية السودانية، يمكن أن يسهم في بناء الثقة وتوفير الضمانات، دون أن يتحول إلى وصاية على الإرادة الوطنية أو بديلًا عن القرار السوداني.

لا يمكن عزل الإهتمام الإقليمي والدولي بالحوار السوداني عن التداعيات الواسعة للحرب على الأمن الإقليمي، خاصة في منطقة القرن الأفريقي والساحل والصحراء؛ فقد أصبحت الأزمة السودانية ذات تأثير يتجاوز حدودها الوطنية، الأمر الذي يجعل الوصول إلى تسوية سياسية شاملة مصلحة مؤكدة للسودانيين ولجوارهم الإقليمي في آن واحد، وفي خضم هذا المشهد الشائك، تتداول وسائل إعلام أفريقية إتهامات ومعلومات حول تداخل شبكات الصراع في السودان مع إضطرابات شهدتها دول أخرى في المنطقة، بما فيها دولة النيجر، وهي تطورات تستوجب التحقيق والتدقيق من خلال منظور تحليلي موضوعي، وعدم التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية أو شائعات غير مفيدة قبل التحقق من مصادرها؛ كما أن إستمرار الصراع في السودان يفتح الباب أمام تمدد شبكات بيع السلاح، وحشد مليشيات من المرتزقة، والتدخلات الخارجية، وتمويل الجماعات الإرهابية المسلحة، مما يضاعف مخاطر عدم الإستقرار في الإقليم، ومن هنا، يصبح الإهتمام العربي والأفريقي والدولي بالسودان مفهومًا، خصوصًا عندما يؤكد أن الحلول المستدامة يجب أن تكون سودانية في ملكيتها وقيادتها، وقد رحب الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، بهذه المبادرة، مشددًا على أن الحوار السياسي السلمي حول مستقبل السودان ينبغي أن يكون بملكية وقيادة سودانيتين، وأن الحلول المستدامة لا يمكن أن تُصنع نيابة عن السودانيين أو تُفرض عليهم من الخارج.

إن نجاح الجهود المبذولة لتهيئة الحوار يتطلب، في المقابل، خطوات عملية لبناء الثقة وإزالة المخاوف التي تسيطر على بعض القوى السياسية، وفي مقدمتها توفير ضمانات واضحة للمشاركين، وتهيئة مناخ آمن للحوار المثمر، وإحترام حرية التعبير، وعدم إستخدام أي أدوات للتأثير في مخرجات المشاورات، وهذا ما فعلته قيادة الدولة من أجل نجاح الحوار، وهو يتطلب العمل على إيجاد آلية فعالة لتكامل جهود الحكومة والقوى السياسية والمدنية والمجتمعية، إلى جانب دعم الإتحاد الأفريقي والجامعة العربية وبقية الشركاء الإقليميين والدوليين، على أساس إحترام السيادة وصون الوحدة والملكية السودانية للعملية السياسية، وإذا صح ما تتناقله وسائل الإعلام بشأن التحركات المرتقبة للآلية الخماسية، فإن زيارة وفد رفيع إلى الخرطوم يمكن أن تكون فرصة مهمة للوقوف على مسار الحوار وتشجيع الأطراف على الإنخراط فيه، بعيدًا عن أسلوب الوصاية أو الإكراه؛ فالسودان يحتاج اليوم إلى عقل سياسي جديد يتعامل مع الإختلاف باعتباره حقيقة طبيعية، لا تهديدًا وجوديًا، وأن يكون ذلك جزءًا من المراجعات السياسية المرجوة، وتوفير إرادة تتجاوز منطق التخندق والمقاطعة والإنكفاء على أجندة الإستعمار أو النذوات الشخصية؛ فالحوار ليس تنازلًا عن المواقف، ولا شهادة براءة لأي طرف، وإنما وسيلة لمعالجة أسباب الأزمات، وبناء الدولة، وإصلاح حال المجتمع، ومن أجل سودان جديد آمن ومستقر وموحد، ينبغي أن تتقدم لغة الحوار، وأن يتحول النقد إلى إصلاح، والإختلاف إلى مصدر قوة، والتوافق إلى مشروع وطني جامع يقودنا إلى المستقبل.

قد يعجبك ايضا