هاني غيلان عبد القادر
في البيت
ينهض مع الفجر، كأن بينه وبين الضياء ميثاقًا قديمًا لا يُنقض. لا يوقظه صخب منبّه؛ تكفيه رعشة الصباح الأولى، وانبثاق النور على جفنيه، ليعرف أن يومًا جديدًا أُودع بين يديه أمانة.
يتوضأ، ويقيم صلاته، ثم يسوّي هندامه بتؤدة رجل يرى في ترتيب ظاهره وتلميع حذائه احترامًا لذاته قبل أن يكون أدبًا مع الآخرين.
يتناول فطوره على مهل، ثم يمضي إلى حديقته الصغيرة: يسقي الزرع، ويتفقد الأغصان، كمن يطمئن على رفاق غاب عنهم ليلة.
يستمع إلى زقزقة العصافير، ويتحاشى بقدمه نملة عابرة؛ كأن الأرض، على سعتها، أضيق من أن تزاحم ضعيفًا.
ثم يرفع رأسه إلى العالم كله ويبتسم.
ليست ابتسامته قناع مجاملة، بل مصافحة وديعة لأشيائه الأثيرة. يمرر يديه بحب على ثيابه، ويتلمس سيارته قبل أن ينفخ في صدر محركها الحياة.
وفي الطريق، تتناثر ابتسامته على الصبية والشيوخ والعابرين، وحتى العصافير.
وتصحبه ألحان قديمة زهد فيها أهل هذا الزمان:
«سألوني الناس»… «بتونس بيك»… «بعيد عنك»… «مستنياك».
أغانٍ نال الزمن من حواشيها، وعجز عن مسّ جوهرها. ولعله يحبها لأنها، مثله، لا ترى في القِدم شينًا.
في محراب العمل
هنا يزداد صفاؤه؛ فالنهار امتداد لضميره.
أول الحاضرين، وآخر المنصرفين. لا يحتاج رقيبًا فوق رأسه، ولا يقيس عمله بالساعات، بل بالأمانة التي يتركها خلفه.
لا يرجئ عمل اليوم، ولا يسمح لشاشة صغيرة أن تسرق من عمره ما يجب أن يُنفق في الإتقان.
يرى زميلًا يحتاج، فيمد يده قبل الطلب. يرى أذًى في الطريق، فينحني ويرفعه دون أن يسأل: «أليس هذا من شأن غيري؟»
وقد يقاسم عمال النظافة زادهم. لا يرتدي ثوب البطولة، ولا ينتظر لقطة؛ فالعزة عنده لا تتجزأ، واليد التي تكنس لا يقل قدرها عن اليد التي تدير.
غير أن في سجيته عِرقًا أصيلًا يأبى السكوت على الظلم.
فارقته
كتاب مفتوح، لا تُقلّب صفحاته بغير إذن.
شفاف حد الوضوح، وصائن لخصوصيته حد الصمت. يصافح الحياة بقلب ودود، ويُبقي بينه وبينها مسافة حذر في ثلاثة: الحديث في السياسة، والجدل في الدين، ومنزلقات العاطفة.
أما الجميلة، فما يزال يخوض الحب معها بسلاح قديم.
يعشق بصدق، ويخلص للنهاية، ثم يكتشف أن الإخلاص وحده لا يعدّل بوصلة سفينة تائهة؛ فيلملم شراعه بالصمت ذاته.
الناس
لا ينافق، ولا يصرخ، ولا يؤذي.
إن أخطأ اعتذر، وإن توهّم أنه أخطأ اعتذر. لا ضعفًا، بل لأن الاعتذار عنده أقصر الطرق إلى سكينة الروح.
هادئ إلى حد يربك الاستفزاز. يقول الحق، ويؤدي ما عليه، ويُصلح ما أفسده، ثم يمضي.
لا يحمل أوزار العمل إلى البيت، ولا شجون البيت إلى المكتب.
ذائقته
يعشق النظام من غير كلفة. يجد أنسه في المشي الطويل، ودفء المساء، وشاي العصر الذي يُرتشف على مهل.
تستهويه الصفحات التي أكلت أطرافها الرطوبة، والساعات القديمة، والأغاني التي عاشت أطول من أصحابها.
يتذوق في الحياة أصفى الأشياء: التسبيح، والتنفس العميق، والماء الصافي.
بعض العادات لا تصنعها العقول؛ بل تتشربها الأرواح وتستقر فيها.
معدن قلبه
صريح قد يخدش، وكريم قد يرهقه كرمه.
يبغض ثلاثًا: الشح، والاستغلال، والفوضى. ومع ذلك، كثيرًا ما يقع في شباكها.
يعطي فوق المأمول، ويصفح فوق المستحق. كلما علمته الأيام أن يقبض يده، أبت كفه إلا البسط.
يفضّل أن يخسر من ماله ووقته على أن يخسر شيئًا من إنسانيته.
عتيق الطراز
لا يبدّل أشياءه لأن الموضة استبدلتها.
يمر بالكماليات مبتسمًا، ويقف طويلًا أمام ساعة جيب عتيقة، أو مخطوط قديم طُويت حواشيه، أو أغنية ترده إلى زمن بعيد.
لا يحب الجديد لأنه جديد، بل يحب ما تركت عليه يد الدهر أثرًا، أو ندبة، أو حكاية.
وبهذه العين يحب الناس أيضًا. لا يطلب ملائكة؛ تكفيه روح صادقة صمدت ولم تفقد طيبتها.
في الليل
يعود إلى بيته كما يعود النهر إلى مجراه، ويخلع عند الباب غبار النهار.