د . صباح ايليا القس
هي احدى شاعرات اشبيلية وهذه المدينة الاندلسية تقع على نهر كبير جميلة في طقسها وبنائها وهوائها اذ تمتد مبانيها الى مناطق بعيدة ويشتمل داخلها على اشجار الزيتون والتين لان هواءها معتدل وطقسها لطيف فقد أحبها الناس وطابت نفوسهم واخلاقهم والمثل يقول اذا طابت النفوس غنّت والغناء يتطلب والشعر يشتمل على الموسيقى ، والمدينة التي تشتمل على مثل هذه الصفات بوصفها من أحسن مدن الدنيا فكانت تأثيراتها على الانسان الذي ابدع شعرا وترفا وعشقا وفنونا اخرى اولها الموسيقى .
ونحن هنا لا نبحث عن الشعراء لانهم معروفون ولكننا نبحث عن الشاعرات فكانت حصتنا في هذا المقال الشاعرة الاشبيلية مريم بنت أبي يعقوب الانصاري .
هي اديبة شاعرة افردت لها كتب التراث الاندلسية مساحة طيبة اذ انها اخذت موقعها عن جدارة واقتدار في ثقافتها وتهذيبها وحتى تدريسها لبنات مدينتها .
وعلى الرغم من انها عاشت في مدينة تكثر فيها الخلاعة الا انها حافظت على سلوكها المحتشم وسلوكها المؤدب ولم تؤثر فيها المغريات التي شاعت في زمانها .
اعتادت في قصائدها على مدح عبيد الله بن محمد المهدي الاموي وكان لجلالة قدرها وسمو شرفها وجمال شعرها يجزل لها العطاء مع مرونة في التعامل وحذر من الهفوات بل يقال انه تقرّب منها وساجلها في أشعارها ومعنى ساجلها اي عارضها بمعنى انه يرد عليها بما تقول وتنشد من قصائد والرد يكون على نفس الوزن الشعري والقافية لكن المعاني مختلفة حتى انه في احدى المرات أهداها كمية من الدنانير وأرفقها بابيات من الشعر فيها من اللطافة والاريحية ما يعد غريبا في مثل هذه العلاقة فقال :
مالي بشكر الذي أوليتِ من قبلِ لو أنني حزْتُ نطق اللسن في الحلل
يا فذة الظرف في هذا الزمان ويا وحيدة العصر في الاخلاص والعمل
الابيات المتقدمة هي للمهدي اعجابا وتلطفا بهذه الشاعرة الاندلسية الاشبييلة . ولا يفوتنا ان نذكر انها ابيات ادركتها الشاعرة مريم فقامت بالرد عليه اعترافا بفضله في الكرم المادي والمعنوي فقالت :
من ذا يجازيك في قول وفي عمل وقد بدرت الى فضل ولم تسلِ
مالي بشكر الذي نظّمتَ في عنقي من اللآلي وما أوليتَ من قبلِ
وفي هذه الابيات ترد القول بالقول ويمكن ملاحظة بساطة القول لفظا ومعنى ووزنا وقافية كما جاء في ابياته اي انها عارضته ..
واذ كانت هي على سجيتها لا مادحة ولا ممدوحة فقد انصرفت الى همومها الذاتية وعبرت عن نفسها بصورة صادقة لا تعرف المجاملة في التعبير عن العواطف فقالت وقد تجاوزت السبعين :
وما ترتجي من بنت سبعين حجة وسبع كنسج العنكبوت المهلهل
تدبُّ دبيب الطفل تسعى الى العصا وتمشي بها مشيَ الأسير المكبّل
هي شكوى صادقة عبرت عن حقيقة واقعها ببراعة التصوير واقتدار التعبير .