نبيل عبد الأمير الربيعي
ليس كل ما كتب عن العراق أدباً، وليس كل من أمسك بالقلم بريئاً من مسؤولية الكلمة.
هذه هي الفكرة الأكثر إزعاجاً التي يضعها كتاب (دراسات في السرد العراقي المعاصر) للناقد والروائي سلام إبراهيم أمام القارئ؛ كتاب لا يكتفي بقراءة الرواية العراقية، بل يضعها في قفص الاتهام، ويسألها السؤال الذي ظل طويلاً مؤجلاً: أين كنتِ حين كان العراق يُذبح؟
ففي بلد أكلته الحروب، وسحقت الدكتاتورية فيه الإنسان، وتحولت الثقافة أحياناً إلى جهاز إضافي من أجهزة السلطة، لم تعد الرواية ترفاً جمالياً منفصلاً عن الواقع. الكلمة نفسها أصبحت جزءاً من المعركة: إما أن تكون شاهدة، أو أن تتحول إلى شاهد زور.
ومن هنا تأتي أهمية كتاب سلام إبراهيم، لا بوصفه دراسة نقدية فحسب، وإنما باعتباره محاولة شاقة لفتح الملفات المغلقة في الذاكرة العراقية، والتمييز بين من كتب لأنه أراد إنقاذ الإنسان، ومن كتب لأنه أراد إنقاذ السلطان.

النقد الذي خرج من الخندق
سلام إبراهيم ليس ناقداً يجلس في برج عاجي ليفحص النصوص بمشرط أكاديمي بارد. إنه روائي وناقد خرج من قلب التجربة التي يقرأها؛ عرف الحرب والجبهة والسجن والملاحقة والمنفى، ولذلك فإن علاقته بالنص العراقي ليست علاقة متفرج بموضوعه.
حين يقرأ رواية عن الجبهة، فهو لا يرى الجبهة في صفحات الرواية فقط؛ إنها تعود إليه من الذاكرة. وحين يقرأ عن السجن والتعذيب، لا يحتاج إلى قاموس ليفهم معنى الألم. وحين يتوقف أمام المنفى، فإن المنفى عنده ليس ثيمة روائية، بل جزء من سيرة جيل عراقي كامل. ولهذا يبدو نقده أحياناً جارحاً، لأنه لا يتعامل مع الأدب بوصفه لعبة شكلية منفصلة عن حياة الناس.
إنه يسأل ببساطة: ما قيمة الرواية إذا كانت عاجزة عن الاقتراب من حقيقة الإنسان؟ وهذا السؤال وحده يكفي لإزعاج مؤسسة أدبية كاملة اعتادت أن تتحدث كثيراً عن الجمال، فيما كان الواقع ينزف أمامها.
أخطر ما يفعله سلام إبراهيم أنه لا يسمح للذاكرة أن تتنكر لنفسها. فالكاتب الذي مجّد الحرب لا يستطيع، بعد سقوط النظام، أن يمسح كلماته القديمة بممحاة سياسية ويظهر فجأة في هيئة الضحية. والكاتب الذي صنع من موت الجنود ملحمةً احتفالية لا يستطيع أن يطالبنا لاحقاً بأن نقرأه بوصفه شاهداً على المأساة.
هنا يصبح النقد أخلاقاً. قد نختلف مع سلام إبراهيم في بعض أحكامه القاسية، وقد نرى أن بعض المواقف تحتاج إلى تمييز أكثر بين الخوف والانتهازية، وبين الإكراه والمشاركة، لكن السؤال الذي يطرحه يبقى مشروعاً: هل يجوز للكاتب أن يطلب من التاريخ أن ينسى ما كتب؟ إنها قضية أكبر من أسماء بعينها؛ إنها قضية المثقف العربي حين تتغير الأنظمة وتتبدل المواقع، فيكتشف بعض المثقفين أن ذاكرتهم قابلة لإعادة الكتابة وفقاً لموازين القوة الجديدة.
يمنح الكاتب أدب المنفى مساحة واسعة، وهذا مفهوم في سياق التجربة العراقية. فالمنفى، على الرغم من كونه اقتلاعاً وكسراً للهوية، منح الكاتب العراقي ما حُرم منه في الداخل: حرية تسمية الأشياء بأسمائها. هناك، خارج حدود الخوف، استطاع الروائي أن يكتب عن الجندي الذي يكره الحرب، والسجين الذي يحمل سجنه في جسده، والمرأة التي تحمل جراح المجتمع داخلها، والمنفي الذي لا يعرف إن كان الوطن مكاناً أم ذاكرة.
ولهذا كانت نصوص جنان جاسم حلاوي، حميد العقابي، شاكر الأنباري، عالية ممدوح، هيفاء زنگنة وغيرهم، جزءاً من تحول مهم في السرد العراقي؛ لأنها نقلت الرواية من موقع المهادنة إلى موقع المواجهة. لكن المفارقة أن المنفى، الذي يبدو في ظاهره فقداناً للوطن، أصبح أحياناً المكان الذي استعاد فيه الكاتب وطنه الحقيقي.
ربما تكون قراءات الحرب من أقوى صفحات الكتاب. فالرواية العراقية الرسمية صنعت من الجندي بطلاً سعيداً بالموت، بينما أعاد السرد المختلف إليه إنسانيته: الخوف، الجوع، الرعب، الحنين، الرغبة في النجاة. هنا تبرز أهمية قراءة (ليل البلاد) لجنان جاسم حلاوي، وغيرها من الأعمال التي جعلت الجندي يرى الحرب من أسفل الخندق، لا من شرفة القائد.
الحرب، في النهاية، ليست بياناً عسكرياً ولا صورةً لجندي مبتسم يحمل بندقية؛ إنها أم تنتظر، وزوجة تخاف، وطفل يكبر من دون أبيه، وجسد قد يعود إلى البيت في صندوق. وهذا ما عجزت عنه أدبيات السلطة: أن ترى الإنسان قبل أن ترى النصر.
الرواية العراقية ليست بريئة من التاريخ
لا يمكن قراءة السرد العراقي المعاصر بعيداً عن تاريخ العراق الحديث. الدكتاتورية، الحروب، الانقلابات، السجون، القمع، المنفى، الاحتلال، الطائفية، انهيار الدولة؛ كل ذلك لم يبق خارج الرواية، بل دخل إليها وأعاد تشكيل شخصياتها وذاكرتها ولغتها. ومن هنا تكتسب قراءات سلام إبراهيم للرواية التاريخية أهميتها؛ فهو لا يريد من الرواية أن تعيد سرد الماضي، بل أن تسأل: كيف وصلنا إلى هذا الخراب؟ إنها محاولة للبحث عن العلة، لا عن الحكاية فقط.
وهذا تحديداً ما ينبغي أن يفعله الأدب الجاد: ألا يكتفي بوصف الحريق، بل يحاول معرفة من أشعل النار، ولماذا ظل البيت قابلاً للاشتعال. فالمشكلة ليست في السلطة وحدها وهنا يصل الكتاب إلى منطقة أكثر خطورة. فالسلطة لم تكن وحدها مسؤولة عن الخراب الثقافي؛ المجتمع نفسه كان يحمل بعض شروط الخراب داخله: الخوف، النفاق، الصمت، ازدواج المعايير، تقديس القوة، وتبرير العنف حين يصدر من الجهة التي نؤيدها.
وهذه نقطة أساسية في مشروع سلام إبراهيم كله؛ إذ لا يكتفي بنقد السلطة السياسية، وإنما يحاول الحفر في البنية الاجتماعية والأخلاقية التي تنتج الفرد ثم تعيد إنتاج السلطة. وهذا أكثر إزعاجاً من نقد الدكتاتور. فمن السهل أن نلعن الطاغية بعد سقوطه، لكن الأصعب أن نسأل أنفسنا: أي مجتمع سمح للطاغية أن يعيش كل هذه السنوات؟ وأي ثقافة صنعت له الأبواق؟ وأي كُتّاب منحوه شرعية الكلمة؟ وأي جمهور صفق حين كان ينبغي أن يصمت، وصمت حين كان ينبغي أن يصرخ؟
لكن سلام إبراهيم ليس خارج النقد. والإنصاف يقتضي ألا يتحول الإعجاب بالكتاب إلى حصانة لصاحبه. فأبرز مآخذ هذه الدراسات أنها تنحاز بقوة إلى البعد السياسي والأخلاقي، وأحياناً تجعل القيمة الجمالية للنص في المرتبة الثانية. الرواية ليست موقفاً سياسياً فقط. إنها أيضاً بناء، ولغة، وإيقاع، وشخصيات، وزمن، ووجهة نظر، وتقنيات سرد. كما أن تقسيم السرد العراقي إلى نص قمع ونص منفى، على أهميته، قد يبدو أحياناً أكثر صرامة من الواقع الأدبي نفسه. فثمة كُتّاب كتبوا في الداخل ولم يكونوا أبواقاً للسلطة، وثمة نصوص في المنفى لا تخلو من المراوغة أو الضعف أو إعادة إنتاج بعض أوهام الماضي. ثم إن غياب الإطار النظري الصارم قد يجعل بعض القراءات أقرب إلى الانطباع النقدي منها إلى المنهج الأكاديمي.
لكن هل هذه نقاط ضعف خالصة؟ ليس بالضرورة. فأحياناً يكون غياب القوالب النظرية هو الذي يمنح النقد روحه. سلام إبراهيم لا يريد أن يثبت أنه يعرف المصطلح النقدي بقدر ما يريد أن يقول للقارئ: لقد عشت هذا، ولذلك أعرف حين يكذب النص. وهنا تكمن قوته، وهنا أيضاً تكمن خطورته. من يملك حق كتابة الذاكرة؟ السؤال الحقيقي الذي يخرج به القارئ من الكتاب: أي رواية أفضل؟ بل: من يملك حق كتابة ذاكرة العراق؟ هل يكتبها المنتصر؟ هل يكتبها المؤرخ الرسمي؟ هل يكتبها السياسي؟ أم يكتبها أولئك الذين عاشوا في الخنادق والسجون والمنافي، ثم حاولوا استعادة حياتهم بالكلمات؟
إن الرواية العراقية المعاصرة، في أفضل نماذجها، لم تعد مجرد حكاية عن العراق؛ إنها أصبحت إحدى ساحات الصراع على معنى العراق نفسه. ولهذا فإن معركة الأدب ليست أقل أهمية من معركة السياسة. فالسياسي يستطيع أن يهدم بيتاً، لكن الكاتب يستطيع أن يعيد بناء صورته في الذاكرة. والسلطة تستطيع أن تغلق سجناً، لكن الرواية تستطيع أن تفتح بابه بعد عشرات السنين. والجلاد قد يموت، لكن الشخصية التي رسمها الروائي يمكن أن تظل حية لتشهد عليه.
الكلمة التي ترفض أن تموت
قيمة كتاب (دراسات في السرد العراقي المعاصر) في النهاية لا تكمن في أنه قدم الإجابة النهائية عن الرواية العراقية؛ فلا كتاب يستطيع ذلك. قيمته أنه أعاد طرح الأسئلة التي حاولت عقود الخوف أن تدفنها. سأل عن علاقة الأدب بالسلطة. وعن مسؤولية الكاتب. وعن معنى التوبة الثقافية. وعن أدب الحرب. وعن المنفى. وعن ذاكرة الضحايا. وعن حدود النقد. وعن المجتمع الذي ينتج جلاده ثم يبكي عليه بعد أن يسقط.
ولهذا فإن الكتاب، في تقديري، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد مجموعة دراسات نقدية، بل باعتباره وثيقة ثقافية عن عراق عاش طويلاً تحت ضغط الموت، ثم حاول أن يكتب نجاته بالكلمات.
قد يكون سلام إبراهيم منحازاً. نعم. لكنه انحياز إلى الإنسان قبل النص، وإلى الضحية قبل الرواية الرسمية، وإلى الذاكرة قبل النسيان. وهنا تحديداً تصبح المسألة أكثر تعقيداً: هل يستطيع النقد أن يكون محايداً أمام جثة؟ ربما لا. فالحياد أمام الجريمة قد يتحول، في لحظة معينة، إلى شكل آخر من أشكال التواطؤ.
ومن هذه الزاوية، يصبح عنوان (دراسات في السرد العراقي المعاصر) أضيق من محتواه الحقيقي؛ فالكتاب لا يدرس السرد فقط، وإنما يفتش في الطبقات المدفونة تحت السرد: الخوف، والخيانة، والمقاومة، والنفاق، والمنفى، والحنين، والذاكرة.
إنه يحاول أن يفعل ما عجزت عنه كتب التاريخ أحياناً: أن يعيد للضحايا أسماءهم، وللجندي خوفه، وللمنفي ذاكرته، وللكاتب مسؤوليته، وللكلمة حريتها. وفي بلد ما زال يتعثر في البحث عن حقيقة تاريخه، ربما يكون هذا النوع من النقد أكثر من ضرورة أدبية؛ إنه فعل مقاومة ضد النسيان. فالسلطات تتغير، والأنظمة تسقط، والجلادون يختفون، والحدود تتبدل، لكن الكلمة التي كُتبت بصدق تبقى.
ولهذا فإن أخطر ما في هذا الكتاب ليس ما يقوله عن الرواية العراقية، وإنما ما يقوله عن العراق نفسه: أن الجرح الذي لم يكتب بعد، سيظل مفتوحاً.