د.فيصل صادق توفيق/ دكتوراه في القانون الدستوري
بعد مرور أكثر من عقدين على إقرار دستور جمهورية العراق لسنة 2005، تبدو الحاجة اليوم إلى إعادة قراءة التجربة الاتحادية العراقية قراءة دستورية هادئة، بعيدا عن الاصطفافات السياسية، وبعيدا عن محاولة إخضاع النص الدستوري لرغبات الأطراف ومواقفها المتغيرة .
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس سؤالا سياسيا بقدر ما هو سؤال دستوري:
هل ما زال الاتحاد العراقي يسير في المسار الذي رسمه الدستور، أم أن الممارسة السياسية أوجدت واقعا أخذ يبتعد تدريجيا عن الفلسفة التي قام عليها النظام الاتحادي؟ وهل انتقلت العلاقة بين المركز وإقليم كوردستان من مفهوم الاتحاد القائم على الشراكة إلى اتحاد يبدو في بعض ممارساته، أقرب إلى الاتحاد الإجباري؟ ولأننا نتحدث هنا من زاوية دستورية فإن علينا أولا أن نتحرر من بعض المفاهيم التي قد تحمل دلالات سياسية مسبقة.
فمصطلح “الاتحاد الاختياري” ليس مصطلحا ورد حرفيا في الدستور العراقي، كما أن مصطلح “الاتحاد الإجباري” ليس من المصطلحات التي اعتمدها المشرّع الدستوري. وإنما نستخدمهما للتعبير عن سؤال يتعلق بفلسفة الاتحاد: هل تقوم العلاقة الاتحادية على الشراكة والرضا والضمانات الدستورية، أم أن استمرار الاتحاد أصبح قائما بصورة أساسية على الإلزام القانوني بوحدة الدولة؟
وهنا يأتي دور القراءة الدستورية ، فالدستور لا يوافق هذا الطرف ولا يعاند ذلك الطرف، ولا ينبغي أن يكون أداة لتبرير موقف سياسي مسبق انما يبقى الدستور هو الفيصل. وإذا كان هناك خلاف في تفسير النص، فإن العلاج ليس بتأزيم المشكلة، ولا بتحويل الخلاف الدستوري إلى صراع سياسي، وإنما بالعودة إلى النص وروحه ومبادئه وآليات تفسيره وحسم النزاع التي وضعها الدستور نفسه.
فلقد اختار المشرّع الدستوري العراقي في عام 2005 أن يؤسس دولة اتحادية، ولم يعد العراق وفقا للدستور، دولة مركزية بالمعنى التقليدي. فالمادة (1) من الدستور تقرر أن جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، وأن نظام الحكم فيها جمهوري نيابي برلماني ديمقراطي. ثم جاءت المواد اللاحقة لتضع البناء الدستوري للنظام الاتحادي، فنصت المادة (116) على أن النظام الاتحادي يتكون من عاصمة وأقاليم ومحافظات لا مركزية وإدارات محلية، وهذه نقطة جوهرية، فنحن كدستوريين لا نستطيع أن نقرأ كلمة “اتحادية” باعتبارها مجرد وصف سياسي للدولة، بل علينا أن نتعامل معها باعتبارها قاعدة دستورية لها آثار قانونية ومؤسسية، والاتحاد في المفهوم الدستوري لا يعني مجرد وجود حكومة اتحادية في بغداد، وإنما يعني وجود توزيع دستوري للسلطة بين المستوى الاتحادي والأقاليم والمحافظات، بحيث يمارس كل مستوى اختصاصاته وفق الحدود التي رسمها الدستور. ومن هنا جاء الاعتراف الدستوري بإقليم كوردستان فالمادة (117) لم تنشئ الإقليم من الصفر، وإنما اعترفت بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة إقليما اتحاديا، وأكدت أن هذا الإقليم وسلطاته يتمتعان بالحماية الدستورية ضمن النظام الاتحادي. وهنا يجب أن تكون القراءة واضحة: فإقليم كوردستان ليس محافظة تتمتع ببعض الصلاحيات الإدارية، وإنما هو أحد مكونات النظام الاتحادي كما رسمه الدستور. وفي المقابل، فإن الاعتراف بإقليم كوردستان لا يعني أن الدستور جعل الفيدرالية حقا حصريا للكورد. فالمادة (119) فتحت الباب أمام تكوين أقاليم جديدة من محافظة أو أكثر، وفق الآليات والإجراءات التي حددها الدستور والقانون. وهذا يعني أن الفيدرالية، من حيث المبدأ الدستوري، ليست امتيازا قوميا، ولا مشروعا خاصا بمكون دون آخر، وإنما هي أحد الخيارات التي أقرها الدستور لإدارة الدولة العراقية.
ومن هنا تظهر إحدى المفارقات المهمة في التجربة العراقية. فإذا كان الدستور قد اختار النظام الاتحادي، فلماذا بقي التطبيق العملي للفيدرالية محدودا إلى هذا الحد؟ وإذا كانت الفيدرالية تهديدا لوحدة العراق، فلماذا أقرها الدستور أصلا؟ وإذا كانت الفيدرالية ضمانة لوحدة العراق من خلال إدارة التنوع، فلماذا لم تستكمل قواعدها ومؤسساتها بصورة تؤدي إلى استقرار العلاقة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم؟
هذه أسئلة دستورية وليست سياسية ونحن كدستوريين عندما نواجه مثل هذه الأسئلة لا نبدأ من موقف مسبق، وإنما نعود إلى النص، والنص الدستوري لم يجعل العلاقة بين بغداد وأربيل علاقة تبعية، كما أنه لم يجعل الإقليم دولة مستقلة داخل الدولة العراقية إنما وضع علاقة اتحادية تقوم على توزيع الاختصاصات، ولهذا فإن قراءة الدستور يجب أن تقوم على مبدأين متلازمين: وحدة الدولة، واحترام التوزيع الاتحادي للسلطات. فلا يجوز استخدام وحدة العراق لإفراغ الفيدرالية من مضمونها، كما لا يجوز استخدام الفيدرالية لتجاوز وحدة العراق. كلا الأمرين مخالفان لقراءة دستورية متوازنة. ومن هنا نصل إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في التجربة العراقية: قضية الموارد المالية والرواتب. فالخلاف بين بغداد وأربيل حول الموازنة والنفط والإيرادات لم يكن مجرد خلاف مالي، وإنما أصبح مع مرور الوقت اختبارا حقيقيا لمدى قدرة النظام الاتحادي على العمل وفق قواعد مستقرة.
والسؤال الدستوري هنا ليس: من انتصر سياسيا؟ بل: هل عالجت الدولة الاتحادية الحقوق والالتزامات المالية وفق القواعد الدستورية والقانونية، أم تحولت المسألة إلى أداة من أدوات التفاوض السياسي؟ الدستور عندما ينص على توزيع عادل للإيرادات وعلى مراعاة الموارد والحاجات ونسبة السكان، فإنه لا يضع مجرد أمنية سياسية، وإنما يضع قاعدة دستورية ينبغي أن تنعكس في التشريع والموازنة والممارسة. وكذلك عندما يوزع الدستور الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، فإن ذلك ليس مجالا مفتوحا لإعادة توزيع السلطة في كل أزمة سياسية. فالاختصاص الدستوري لا ينبغي أن يتحول إلى ورقة تفاوض.
ومن هنا، فإن الخلافات بين بغداد وأربيل ينبغي ألا تفهم دائما باعتبارها صراعا بين طرفين سياسيين، بل يجب أن تفهم في كثير من الأحيان باعتبارها نزاعا حول تفسير وتطبيق النص الدستوري وهذا فارق جوهري. لأن النزاع السياسي يمكن أن تحسمه التسويات السياسية، أما النزاع الدستوري فإن الأصل أن يحسم بالدستور والجهة الدستورية المختصة. وهنا أرى أن التجربة العراقية بحاجة إلى ترسيخ ثقافة دستورية جديدة: عندما يختلف المركز والإقليم، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول: من يملك القوة؟ بل: ماذا يقول الدستور؟
وهذا يقودنا إلى محطة الاستفتاء الذي أجري في إقليم كوردستان في 25 أيلول/ 2017 فمن الناحية الدستورية، ينبغي التعامل مع الاستفتاء بعيدا عن الانفعال السياسي. فأنصار الاستفتاء قرأوه باعتباره تعبيرا عن حق تقرير المصير، بينما رأت الحكومة الاتحادية أن وحدة العراق وسيادته لا تسمحان بإجراء استفتاء انفصال بصورة أحادية. وبغض النظر عن الموقف السياسي من الاستفتاء، فإن الواقعة نفسها تكشف عن مشكلة دستورية أعمق: ماذا يحدث عندما يفقد أحد أطراف الاتحاد الثقة بقدرة النظام الاتحادي على ضمان حقوقه؟ هنا لا يكفي أن نقول إن الدستور يمنع الانفصال، ولا يكفي في المقابل أن نقول إن تقرير المصير حق طبيعي نحن كدستوريين مطالبون بأن نسأل قبل ذلك:
هل طبقت أحكام الدستور المتعلقة بالاتحاد تطبيقا كاملا؟
هل حسمت النزاعات الدستورية وفق الآليات التي رسمها الدستور؟
هل تحولت الحقوق الدستورية إلى ممارسات مستقرة؟
وهل نجح النظام الاتحادي في بناء الثقة بين مكوناته؟
لأن الاتحاد لا يعيش بالنصوص وحدها. قد يكون النص موجودا، لكن إذا لم تتحول أحكامه إلى ممارسة مؤسسية مستقرة، فإن الفجوة بين الدستور والواقع ستظل مصدرا للأزمات. وهنا أعود إلى الفكرة الأساسية في هذا المقال. هل أصبح الاتحاد العراقي، بعد كل هذه الأزمات، اتحادا إجباريا؟ الإجابة الدستورية الدقيقة تقتضي الحذر.
فالدستور العراقي يؤسس لدولة اتحادية واحدة، ولا يتضمن آلية دستورية تمنح الإقليم حق الانفصال من جانب واحد. ومن هذه الناحية، فإن وحدة الدولة ليست خيارا سياسيا قابلا للتغيير بإرادة منفردة من أحد مكوناتها. لكن هذا لا يعني أن طبيعة الاتحاد يجب أن تكون اتحادا قسريا من حيث الممارسة. فهناك فرق بين الإلزام الدستوري بوحدة الدولة وبين الإكراه السياسي في إدارة العلاقة الاتحادية. الأول قد يكون نتيجة طبيعية لأي دستور يؤسس لدولة اتحادية واحدة. أما الثاني فهو الذي ينبغي أن نحذر منه. فالغاية من الدستور ليست فقط منع الانفصال، وإنما أيضا جعل العيش داخل الاتحاد قائما على الحقوق والواجبات المتبادلة، وعلى الثقة، وعلى احترام الاختصاصات.
ولهذا فإن السؤال الأكثر عمقا ليس: هل يملك إقليم كوردستان حق الانفصال؟ بل:هل جعل النظام الاتحادي العراقي من البقاء داخل الاتحاد خيارا دستوريا وسياسيا مقنعا وقابلا للاستمرار؟ وهذا سؤال مختلف تماماً. فالاتحاد الناجح لا يحافظ على وحدته فقط لأن القانون يمنع الخروج منه، وإنما يحافظ على وحدته لأن مكوناته تجد في الاتحاد ضمانة لحقوقها ومستقبلها ومصالحها. ومن هنا يمكن أن نفهم معنى “الاتحاد الاختياري” الذي نتحدث عنه في هذا المقال: ليس بمعنى وجود حق دستوري بالانفصال، وإنما بمعنى أن يكون الاتحاد قائما على الرضا الدستوري المتجدد من خلال احترام الحقوق والاختصاصات والعدالة في توزيع الموارد والسلطات.
أما إذا أصبحت العلاقة بين المركز والإقليم قائمة على الشك المتبادل، وعلى قطع الموارد أو تعطيل الصلاحيات أو اتخاذ القرارات الأحادية، فإن الاتحاد قد يبقى قائما من الناحية القانونية، لكنه يبدأ بفقدان أحد أهم عناصره السياسية والاجتماعية، وهو الثقة. وهنا تكمن الخطورة، لأن الدستور يستطيع أن ينظم السلطة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الثقة إذا لم تتحول أحكامه إلى ممارسة. فالدستور كل لا يتجزا، وهو ليس قائمة حقوق لطرف وقائمة واجبات لطرف آخر. إنه عقد دستوري ينظم الحقوق والاختصاصات والالتزامات لجميع أطراف الدولة. ولهذا فإن الطريق الصحيح ليس في تعطيل الدستور، ولا في انتقائه، ولا في تفسيره وفقاً للظرف السياسي. الطريق الصحيح هو الاحتكام إليه. وإذا كان هناك خلاف في تفسير مادة دستورية، فإن المؤسسات الدستورية المختصة هي التي ينبغي أن تفصل فيه. فالدستور لا يوافق هذا ولا يعاند ذلك. الدستور هو الفيصل. ولا يجوز أن يتحول الخلاف حول الدستور إلى سبب لتأزيم المشكلات وتعقيدها؛ بل ينبغي أن يكون الدستور هو الأداة التي تعيد المشكلات إلى مسارها المؤسسي والقانوني. ومن هنا فإن مستقبل الفيدرالية في العراق لا يتوقف بالضرورة على عدد الأقاليم التي ستنشأ مستقبلاً. فقد يبقى إقليم كوردستان وحده، وقد تتشكل أقاليم أخرى، وربما تعود إلى الواجهة مطالب بتشكيل أقاليم في البصرة أو الأنبار أو غيرهما. لكن السؤال الأهم ليس عدد الأقاليم.
السؤال هو: هل يستطيع العراق أن يبني نظاما اتحاديا واضح القواعد، متوازن الصلاحيات، عادل الموارد، تحسم فيه النزاعات دستوريا لا سياسيا؟ إذا تحقق ذلك، فإن تعدد الأقاليم لن يكون بالضرورة مقدمة لتقسيم العراق، بل قد يكون تطبيقا لطبيعته الاتحادية التي اختارها الدستور. أما إذا بقيت الفيدرالية مجرد نص، وبقي المركز والإقليم يختلفان في تفسير أبسط قواعد العلاقة، فإن المشكلة لن تكون في الفيدرالية نفسها، وإنما في عدم اكتمال التجربة الاتحادية. من هنا لا ينبغي أن ننظر إلى الفيدرالية باعتبارها مشروعا كورديا أو مشروعا شيعيا أو مشروعا سنيا. الفيدرالية في الدستور العراقي نظام دستوري. ومن ثم فإن الحكم عليها ينبغي أن يكون من خلال قدرتها على تحقيق الغاية التي من أجلها اعتمدها المشرّع الدستوري الا وهو توزيع السلطة، منع الاستبداد المركزي، إدارة التنوع، ضمان الحقوق، وتحقيق التوازن بين وحدة الدولة وخصوصية مكوناتها ومناطقها. وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الصحيح: هل انتهى مشروع الفيدرالية في العراق؟ انما: هل استكمل العراق مشروعه الاتحادي الذي بدأه دستور 2005؟ وهل ما زلنا أمام اتحاد يقوم على الشراكة الدستورية، أم أننا نقترب تدريجيا من اتحاد يستمر بقوة النص وحدها دون أن توازيها قوة الثقة والشراكة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تأتي من السياسي وحده، ولا من رجل الشارع، ولا من مصلحة ظرفية. الإجابة يجب أن تبدأ من الدستور وتنتهي إليه. فالدستور لا ينبغي أن يكون ساحة للخلاف، بل المرجع الذي ينهي الخلاف ولا ينبغي أن يكون أداة لتأزيم المشكلات، بل وسيلة لحلها. ولا ينبغي أن يكون نصاً يفسره كل طرف بما يخدم موقفه، بل قاعدة واحدة يحتكم إليها الجميع. وعندما يصبح الدستور هو الفيصل الحقيقي بين بغداد وأربيل، وعندما تتحول الحقوق الدستورية إلى حقوق مستقرة لا تخضع للمساومة السياسية، وعندما تقابل الحقوق بالالتزامات، عندها فقط يمكن أن نقول إن الاتحاد العراقي يسير في مساره الصحيح.
أما إذا بقيت العلاقة محكومة بالأزمات المتكررة، وبالضغط المالي والسياسي، وباختلاف تفسير النصوص من أزمة إلى أخرى، فإن الاتحاد سيبقى قائما من الناحية القانونية، لكنه سيظل بحاجة إلى إعادة بناء من الناحية الدستورية والعملية. فالهدف ليس أن يبقى العراق موحدا بالقوة، ولا أن يتفكك بالخلاف، وإنما أن يبقى متحدا بالدستور، بالشراكة، وبالعدالة، وبالاقتناع بأن الاتحاد حين يحترم حقوق أطرافه يصبح أقوى من الاتحاد الذي لا يجمعهم إلا الإلزام.